في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان المعاصر، تتقدّم أسئلة السيادة من الهامش إلى صدارة النقاش الوطني. وبينما يترقّب اللبنانيون ملامح "الجمهورية الثالثة" التي يُفترض أن تولد من رحم الانهيارات المتراكمة، جاء موقف رئيس الحكومة نواف سلام من باريس ليضع حدًا لسنوات من الالتباس السياسي. لم يكن الخطاب مجرّد تأكيد نظري على ثوابت دستورية، بل إعلانًا صريحًا بأن زمن "المنطقة الرمادية" قد انتهى، وأن اتفاق الطائف لم يعد نصًا مؤجّل التنفيذ، بل خريطة طريق إلزامية لاستعادة قرار الدولة، وفي القلب منه قرار الحرب والسلم.
هذا الموقف، بما يحمله من وضوح غير مسبوق، أحدث ارتدادات فورية في الداخل اللبناني، حيث يقرأ مراقبون أن العلاقة بين بعبدا وقيادة "حزب الله" دخلت مرحلة توتر صامت، لكنه عميق. فالرئيس جوزيف عون، الذي يقدّم نفسه كحارس لمفهوم الدولة الواحدة، يدفع باتجاه بسط سلطة المؤسسات كشرط وجودي للاستقرار، فيما ترى أوساط قريبة من الحزب في هذا المسار تهديدًا مباشرًا للمعادلة التي حكمت البلاد منذ ما بعد 2006.
هذا الاشتباك السياسي غير المعلن يطفو على السطح عبر حملات إعلامية متبادلة، ومحاولات ضغط في ملفات دقيقة، أبرزها التعيينات الأمنية. ويجمع محللون على أن هذه التعيينات ليست تفصيلًا إداريًا، بل حلقة أساسية في التحضير لمرحلة "حصر السلاح"، ما يجعلها ساحة اختبار حقيقية لميزان القوى الجديد الذي تحاول الدولة فرضه بهدوء، ولكن بثبات.
على المستوى الميداني، تتجه الأنظار إلى جنوب الليطاني، حيث تُعد "لجنة الميكانيزم" الدولية–المحلية بمثابة المختبر الأول لترجمة الخطاب السياسي إلى وقائع. نجاح هذه الآلية في فرض وقف إطلاق النار وضبط الأرض سيحدد إلى حد كبير مصير المسار السيادي برمّته. فالحكومة، التي بدأت بتعزيز انتشار الجيش اللبناني كقوة شرعية وحيدة، تراهن على التدرّج لا الصدام، وعلى تحويل جنوب الليطاني إلى نموذج يُحتذى به بدل أن يكون ساحة مواجهة جديدة.
غير أن هذا المسار لا يتحرك في فراغ. فالخروقات الإسرائيلية المتكررة، جوًا وبرًا، لا تُقرأ فقط كأعمال عدائية تقليدية، بل كجزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى إبقاء لبنان في حالة استنزاف دائم. ويرى مختصون في الشؤون الإقليمية أن تل أبيب تسعى إلى إضعاف السلطة المركزية ومنعها من التقاط أنفاسها، لأن قيام دولة لبنانية قوية وموحّدة القرار يشكّل نقيضًا لمصالحها الأمنية.
خطورة هذه الخروقات لا تكمن فقط في بعدها العسكري، بل في توقيتها السياسي. فهي تتزامن مع محاولة الحكومة استعادة ثقة المجتمع الدولي، وإطلاق مسار إصلاحي شائك يشمل القطاع المصرفي والاتفاق مع صندوق النقد الدولي. أي انزلاق أمني واسع قد ينسف هذه الجهود، ويعيد إنتاج صورة لبنان كدولة عاجزة عن ضبط حدودها، وبالتالي غير مؤهلة للإنقاذ الاقتصادي.
في هذا السياق، يكتسب خطاب نواف سلام رمزية خاصة. فهو لا يقدّم نفسه كمدير مرحلة انتقالية، بل كمهندس لاستعادة هيبة الدولة. الربط الذي أقامه بين حصرية السلاح وتدفّق الاستثمارات لم يكن اعتباطيًا، بل رسالة مزدوجة: إلى الخارج بأن لبنان جاد في إعادة بناء دولته، وإلى الداخل بأن لا استثناءات بعد اليوم، ولا "قدسيات سياسية" تعلو على منطق القانون.
لبنان اليوم يقف عند مفترق طرق حاد. فإما المضي في مسار استعادة القرار السيادي، وتحويل "الميكانيزم" والجيش والمؤسسات إلى شبكة أمان وطنية حقيقية، وإما الانكفاء مجددًا إلى دوامة الفراغ، حيث تتغذّى الانقسامات الداخلية على الاختراقات الخارجية، وتضيع فرصة نادرة لإعادة بناء الدولة من أساسها.