القائمة
04:57 21 كانون الثاني 2026

بين ضجيج نعيم قاسم ووقائع الدولة: القرار بيد عون وسلام

وراء الكواليس

لم يعد الخلاف في لبنان خلافَ خطابات، بل صراعَ مسارات. فبينما يواصل الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم رفع سقف الكلام والعودة إلى لغة التحدّي، تمضي الدولة اللبنانية، برئاسة جوزاف عون وبحكومة نواف سلام، في تثبيت معادلة مغايرة لا لبس فيها: القرار للدولة، والمرجعية للمؤسسات، والوقائع هي الحكم.

خطاب نعيم قاسم الأخير، على حدّته وتصعيده، جاء في سياق ردّ مباشر على المواقف التي أطلقها رئيس الجمهورية في الذكرى الأولى لانطلاق العهد. إلا أنّ هذا الخطاب، مهما ارتفع منسوبه، لم يخرج عن كونه محاولة جديدة لشدّ العصب داخل البيئة الحاضنة، وإعادة إنتاج معادلات لفظية لم تعد قادرة على تعطيل المسار الذي اختارته الدولة.

في المقابل، جاء ردّ رئيس الجمهورية من موقع السلطة الدستورية لا من منبر السجال. وأمام أعضاء السلك الدبلوماسي ورؤساء البعثات الدولية، قال بوضوح لا يحتمل التأويل: "أستطيع أن أقول لكم إنّ الحقيقة هي ما ترون، لا ما تسمعون". عبارة تختصر مرحلة كاملة، وتشكّل ردًا مباشرًا وحاسمًا على من يراهنون على الخطاب بدل الفعل.

هذه الرسالة لم تكن موجّهة إلى الخارج فقط، بل إلى الداخل اللبناني أيضًا. فالحقيقة التي باتت تتكرّس اليوم أنّ كلام نعيم قاسم لم يعد يمتلك القدرة السابقة على فرض إيقاعه أو إرباك القرار الرسمي. صوته عالٍ، لكن تأثيره يتراجع، فيما الدولة، برئاستها وحكومتها، تواصل العمل بهدوء وثبات.

الأهمّ أنّ التجربة أثبتت، مجددًا، أنّ الفجوة بين ما يُقال وما يُفعل باتت مكشوفة. فما يُقال على المنابر لا يوازي ما يجري على الأرض، حيث تسود مقاربة أكثر واقعية، وأقلّ صخبًا، تقوم على إدارة التوازنات من دون التراجع عن الهدف الأساسي: استعادة القرار السيادي.

وفي هذا الإطار، يبرز دور الجيش اللبناني، الذي يتّجه إلى استكمال المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح بيد الدولة، ضمن مسار لم يعد قابلًا للتأجيل. مسار يحظى بدعم سياسي داخلي متزايد، وبغطاء دولي واضح، انطلاقًا من قناعة راسخة لدى الدول المعنية بأنّ مرحلة الدولة قد بدأت، وأنّ الجيش هو ركيزتها الأساسية.

وعليه، لم تعد المواجهة بين خطابٍ وخطاب، بل بين مشروعين متناقضين:

مشروع يكتفي بالكلام العالي لتثبيت نفوذ داخلي آخذ في الانكماش،

ومشروع دولة يعمل، برئاسة جوزاف عون وحكومة نواف سلام، على تثبيت الوقائع وبناء القرار من داخل المؤسسات.

وفي السياسة، لا ينتصر من يعلو صوته، بل من يفرض مساره. وما تراه العواصم اليوم، وما يلمسه اللبنانيون تدريجيًا، هو أنّ مسار الدولة انطلق فعليًا، مهما ارتفع الضجيج، ومهما حاول الخطاب المرتفع السقف إنكار الحقيقة.