القائمة
12:46 20 كانون الثاني 2026

خطاب بعبدا يرسم قطيعة سيادية: عون يُنهي زمن «القرار المُستعار» ويكرّس حصرية الدولة

لبنان

في لحظة سياسية تُقاس بميزان التحوّلات لا بالتقويم، ومن باحة قصر بعبدا التي استعادت شيئاً من معناها كـ«مركز ثقل للدولة» بعد سنوات من التفريغ الممنهج، بدا خطاب رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أشبه بإعلان قطيعة مدروسة مع زمن «القرار المُستعار». لم يكن خطاب رأس السنة مجرد طقس بروتوكولي، بل بياناً سيادياً مُشفّراً أعاد فيه الرئيس ترسيم حدود الدولة، لا جغرافيًا فحسب، بل وظيفيًا وسياديًا، واضعًا حدًا لمرحلة كان فيها لبنان يُدار كمساحة رسائل لا كصاحب موقف.

الرسالة الجوهرية التي خرجت من بعبدا لم تُصَغ بلغة المواجهة، بل بلغة «نزع الشرعية السياسية» عن منطق الارتهان. حين تحدث الرئيس عن «الحقيقة التي تُرى لا التي تُسمع»، كان يعيد تعريف مفهوم الحكم نفسه، كاشفًا عن انتقال من سياسة الإنكار والتدوير إلى سياسة الوقائع الملموسة، حيث لا تُدار الدولة بالخطابات المزدوجة، بل بالسيطرة القانونية والمؤسساتية.

وصف الرئيس الدولة التي تسلّمها بأنها مثقلة بـ167 شهراً من الشغور والانسداد لم يكن توصيفاً تقنياً، بل تشخيصاً سياسياً لمرحلة اتسمت بتآكل القرار السيادي تحت ضغط «التوازنات القسرية». هذا الرقم، بحد ذاته، تحوّل إلى وثيقة اتهام لمرحلة كاملة بُنيت على تعطيل المؤسسات مقابل حماية مشاريع خارج منطق الدولة.

استدعاء فكرة «الاستقلال غير المكتمل» بعد عام 2005 جاء كإقرار ضمني بأن السيادة لا تُستعاد بخروج قوة وبدخول أخرى، بل باستعادة الدولة لدورها كمرجعية نهائية للقرار، بعيداً عن مغامرات ثبت تاريخياً أنها كلّفت اللبنانيين أثماناً لا قدرة لهم على تكرار دفعها. من هنا، جاءت عبارة «لا مغامرات بعد اليوم» كخط فاصل بين منطقين: منطق الدولة ومنطق المقامرة.

في أكثر مقاطع الخطاب حساسية، كسر الرئيس ما تبقى من التباسات حين أكد أن جنوب الليطاني بات تحت سيطرة القوى المسلحة الشرعية حصراً. هذا الإعلان لا يُقرأ كجملة إجرائية، بل كتحوّل في العقيدة السياسية للدولة: الجيش لم يعد طرفاً في معادلة أمنية هجينة، بل صاحب الولاية الحصرية.

الحديث عن «تنظيف الأرض من أي سلاح غير شرعي مهما كانت تبعيته» جاء بصيغة قانونية هادئة، لكنه يحمل دلالة استراتيجية عالية، تتقاطع بوضوح مع المقاربة العربية التي ترى في احتكار الدولة للسلاح المدخل الإلزامي لأي استقرار أو دعم دولي. هكذا، يتحوّل ملف السلاح من «إشكالية سياسية» إلى مسألة سيادية غير قابلة للتأجيل أو المقايضة.

إفراد مساحة واضحة للجنة الخماسية، ولا سيما المملكة العربية السعودية، لم يكن مجاملة دبلوماسية، بل إعادة تموضع محسوبة. فالعهد الجديد يربط بوضوح بين الإصلاح الداخلي واستعادة الثقة الخارجية، مدركاً أن أي دعم دولي لن يُمنح لدولة تُدار بازدواجية القرار.

مؤتمر دعم الجيش في باريس لم يُقدَّم كحدث عابر، بل كترجمة عملية لرهان دولي على المؤسسة العسكرية بوصفها العمود الفقري للدولة، والضمانة الوحيدة لمنع انزلاق لبنان مجدداً إلى منطق «الساحات المفتوحة».

استدعاء الرئيس لمقولة البابا عن «السلام العاري من السلاح» لم يكن زخرفة بلاغية، بل تلخيصاً فلسفياً لعقيدة سياسية جديدة: لبنان الذي يريد أن يعيش لا يستطيع أن يبقى رهينة فائض القوة خارج الدولة. في هذا الإطار، يتقاطع النمو الاقتصادي النسبي الذي شهده عام 2025 مع مسار سياسي يسعى إلى إعادة الانتظام الدستوري والمؤسساتي، باعتبارهما شرطَي بقاء لا ترفاً إصلاحياً.

 

خطاب بعبدا لم يُعلن انتصاراً، بل دشّن مساراً. لبنان، كما أراده الرئيس جوزاف عون، لم يعد ساحة اختبار لتوازنات الآخرين، بل دولة تحاول استعادة وعيها وحدودها ووظيفتها. الجنوب لم يعد منصة، والقرار لم يعد مُستعاراً، والسياسة، للمرة الأولى منذ سنوات، تعود إلى مكانها الطبيعي داخل الدولة، لا على هامشها.