لم تعد الاحتجاجات التي اندلعت في المدن الإيرانية حدثاً داخلياً محصوراً بسياق اقتصادي أو اجتماعي، بل تحولت، مع اتساع رقعة القمع وتكثيف أدوات السيطرة، إلى قضية دولية مفتوحة تعكس عمق المأزق الذي تواجهه طهران في لحظة إقليمية شديدة الحساسية. فالتظاهرات التي خرجت، اليوم الاثنين، في عواصم عدة حول العالم، تنديداً بما وُصف بحملة القمع الدموية ضد المحتجين الإيرانيين، ليست سوى الامتداد الخارجي لشارع جرى إخضاعه بالقوة، لا احتواؤه بالسياسة.
إقرار المرشد الأعلى علي خامنئي بسقوط آلاف القتلى خلال أكثر من أسبوعين من الاضطرابات، شكّل محطة مفصلية في سردية السلطة، لكنه لم يأتِ باعتباره مراجعة للمسار، بل كجزء من إعادة توجيه الاتهام نحو الخارج. فإلقاء المسؤولية على الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بذريعة «التحريض العلني» ووعود الدعم، يعكس منطقاً راسخاً في العقل السياسي الإيراني: كل انفجار داخلي هو بالضرورة نتيجة مؤامرة خارجية، وكل احتجاج هو جبهة متقدمة في حرب أوسع.
هذا الخطاب، الذي خبرته إيران منذ احتجاجات 2009 مروراً بانتفاضات 2017 و2019، يعود اليوم في ظرف أكثر تعقيداً. فالعلاقة بين طهران وواشنطن تقف عند حافة تصعيد محسوب، حيث تتبادل العاصمتان التهديدات بلغة مرتفعة السقف، من دون أن تذهبا حتى الآن إلى كسر قواعد الاشتباك غير المعلنة. الولايات المتحدة تلوّح بكل الخيارات، وتعيد نشر أدوات الردع، فيما تردّ إيران بخطاب الصمود، وتحذيرات من «عواقب أي مغامرة»، في مشهد أقرب إلى مبارزة أعصاب طويلة منها إلى مواجهة وشيكة.
في الداخل، اختارت السلطة الإيرانية إدارة هذه المرحلة بعقيدة أمنية خالصة. فمع تراجع الاحتجاجات ظاهرياً، دخلت البلاد في عتمة معلوماتية شبه كاملة، مع استمرار قطع الإنترنت والاتصالات لأيام متواصلة، ما جعل من المستحيل تقريباً الحصول على صورة دقيقة عمّا يجري. هذا الانقطاع لا يُقرأ فقط كإجراء أمني، بل كجزء من استراتيجية أوسع لعزل الشارع عن العالم، وكسر الصلة بين الداخل والخارج في لحظة تتزايد فيها الضغوط الدولية.
سياسياً، يعبّر هذا الخيار عن قناعة راسخة لدى النظام بأن السيطرة على تدفّق المعلومات لا تقل أهمية عن السيطرة على الشارع نفسه. فالتجربة الإيرانية، كما تجارب حلفائها في المنطقة، تُظهر أن أولى خطوات احتواء الأزمات تبدأ بإغلاق الفضاء العام، وتحويل المجتمع إلى وحدات منفصلة يسهل ضبطها، ولو على حساب الاقتصاد والحياة اليومية.
غير أن هذا المسار يفاقم في المقابل موجة الانتقادات الدولية، ويُعيد وضع طهران في موقع الدولة المحاصَرة أخلاقياً وسياسياً، لا بسبب سياساتها الإقليمية فقط، بل بسبب طريقة إدارتها لأزماتها الداخلية. فالاحتجاجات التي قُمعت في الداخل، عادت لتطفو في الخارج بصيغ مختلفة، من التظاهر أمام السفارات إلى الضغط السياسي والإعلامي، ما يعني أن الأزمة لم تُطفأ، بل غيّرت شكلها.
في المحصلة، تجد إيران نفسها أمام مفارقة استراتيجية: كلما شدّدت القبضة في الداخل، ازدادت هشاشة موقعها في الخارج، وكلما رفعت منسوب التحدي مع واشنطن، ضاق هامش المناورة أمامها. وبين خطاب يتهم الخارج، وإجراءات تُحاصر الداخل، يبدو أن طهران اختارت مرة أخرى إدارة الأزمة بمنطق الصمود الأمني، لا التسوية السياسية، في انتظار أن تتعب الشوارع… أو أن يتغيّر المشهد الدولي.