القائمة
01:39 19 كانون الثاني 2026

غارات ما بعد الخطاب: رسائل إسرائيلية شمال الليطاني وإعادة رسم قواعد الاشتباك مع الدولة

لبنان

لم تأتِ الغارات الإسرائيلية الأخيرة على جنوب لبنان بوصفها حدثاً عسكرياً معزولاً، بل بدت أقرب إلى فصل جديد في حرب الرسائل السياسية، يتجاوز الميدان إلى مخاطبة الدولة اللبنانية مباشرة، في توقيت دقيق أعقب خطاب نائب الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم، وما تضمّنه من هجوم صريح على وزير الخارجية اللبناني ومسار الحكومة في إدارة ملف الجنوب.

اللافت في هذه الجولة، ليس كثافة الغارات بحد ذاتها، بل مكانها المدروس: شمال نهر الليطاني، أي خارج النطاق الذي يفترض، نظرياً، أنه بات تحت سيطرة الجيش اللبناني بعد إعلان إنجاز المرحلة الأولى من خطة نزع السلاح جنوب النهر. هنا، يتحوّل الجغرافيا إلى لغة سياسية، وتصبح الضربة رسالة موجه: إلى «حزب الله» .

فإسرائيل، التي شكّكت منذ البداية في كفاية الإجراءات اللبنانية، تبدو وكأنها تقول بوضوح إن نزع السلاح جنوب الليطاني لا يكفي إذا بقي القرار السياسي والعسكري للحزب فاعلاً شماله. وبذلك، فإن تركيز الضربات شمال النهر لا يهدف فقط إلى استهداف بنية عسكرية، بل إلى إفراغ الخطوة اللبنانية من قيمتها الردعية والسيادية، أو دفعها إلى اختبار أكثر صعوبة في المرحلة الثانية من الخطة.

التوقيت، بدوره، لا يقل دلالة. فالغارات جاءت بعد خطاب نعيم قاسم، الذي لم يكن موجهاً إلى إسرائيل بقدر ما كان رسالة داخلية ــ سياسية، تنتقد أداء وزارة الخارجية اللبنانية وتلمّح إلى حدود ما يمكن للدولة أن تفعله في ملف الجنوب. الرد الإسرائيلي بدا كأنه استثمار مباشر في هذا الانقسام، عبر تكريس معادلة مفادها أن أي تباين لبناني داخلي سيُترجم ميدانياً بضغط عسكري متزايد.

من زاوية أوسع، يمكن قراءة هذه الضربات كجزء من محاولة إسرائيلية لإعادة تعريف قواعد الاشتباك: فبدلاً من الاكتفاء بجنوب الليطاني كساحة تقليدية، يجري توسيع هامش النار شمالاً، في موازاة توسيع هامش المسؤولية السياسية على الدولة اللبنانية. الرسالة هنا واضحة: إمّا أن تستكمل الدولة خطتها حتى نهر الأولي، وإمّا أن يبقى المجال مفتوحاً أمام تدخل إسرائيلي «وقائي» وفق التعريف الإسرائيلي.

كما لا يمكن فصل هذا التصعيد عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث تسعى إسرائيل، في ظل توترات متعددة الجبهات، إلى تثبيت نموذج ردعي منخفض الكلفة: ضربات محدودة، محسوبة، لكنها عالية الرمزية، تستهدف فرض وقائع سياسية قبل أن تتحول الخطط اللبنانية إلى أمر واقع دولي مدعوم.

في المحصلة، تبدو الغارات الأخيرة أقل ارتباطاً بما دمّرته، وأكثر ارتباطاً بما تريد منعه: منع تثبيت معادلة جديدة يكون فيها الجيش اللبناني هو المرجعية الوحيدة جنوب الليطاني، تمهيداً لتمددها شمالاً. وبين خطاب داخلي يهاجم الدولة، وضربات خارجية تختبر قدرتها، يجد لبنان نفسه أمام اختبار سيادي معقّد، حيث لا تُقاس القرارات بما يُعلن، بل بمدى قدرتها على الصمود تحت النار.