في تصعيدٍ ميداني يشي بانزلاق المشهد شرق حلب نحو مرحلة أكثر خطورة، أعلنت وزارة الدفاع السورية أن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) استهدفت بالرصاص مراسلي وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» والإعلام العسكري، في حادثة تعكس انتقال التوتر من مستوى الاشتباك العسكري إلى استهداف الرواية الإعلامية نفسها، في واحدة من أكثر المناطق حساسية على خطوط التماس شمال البلاد.
وعلى وقع هذا التطور، أعلنت هيئة عمليات الجيش السوري تحويل منطقة غرب الفرات إلى منطقة عسكرية مغلقة، في خطوة تحمل دلالات أمنية وسياسية واضحة، وتؤشر إلى أن ما يجري لم يعد يُدار كاحتكاك محدود أو خرق عابر، بل كمسار تصعيدي مفتوح يستدعي إعادة ضبط الميدان بالقوة الصلبة، وبقواعد اشتباك جديدة.
وبحسب بيان الجيش، جاء القرار عقب استهداف ما وصفها بـ«مجموعات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني» لقواته في ريف حلب الشرقي، ما أدى إلى مقتل جنديين، في حادثة اعتُبرت تجاوزًا مباشرًا للتفاهمات القائمة، وضربًا لما تبقى من خطوط الفصل الهشة التي رُسمت بوساطات دولية خلال الأسابيع الماضية.
قراءة المؤسسة العسكرية السورية للحادثة لا تقف عند حدود الخسائر البشرية، بل تتعامل مع استهداف مراسلي «سانا» والإعلام العسكري بوصفه محاولة لكسر احتكار الدولة للسردية الميدانية، وفرض أمر واقع إعلامي يوازي الأمر الواقع العسكري. ففي حروب السيطرة والنفوذ، لا تقل الكاميرا خطرًا عن البندقية، وضربها يُعدّ، في الحسابات الاستراتيجية، مقدمة لتوسيع الاشتباك لا لتطويقه.
إعلان غرب الفرات منطقة عسكرية مغلقة يعكس تحوّلًا نوعيًا في مقاربة دمشق للملف. فهذه المنطقة، التي شكّلت لعقود عقدة جغرافية وسياسية بين حلب والفرات، تحوّلت خلال سنوات الحرب إلى مساحة رمادية، تتعايش فيها ترتيبات مؤقتة، ونفوذ متداخل، ورعاية دولية غير مكتملة. إغلاقها عسكريًا يعني، عمليًا، سحبها من منطق “إدارة التفاهمات” وإعادتها إلى منطق “إدارة السيطرة”.
توقيت القرار ليس تفصيلاً. فهو يأتي بعد تمدد الجيش في دير حافر ومسكنة، وبعد حديث متزايد عن خلل في تنفيذ اتفاقات الانسحاب، ما يوحي بأن دمشق باتت ترى في السلوك الميداني لـ«قسد» مؤشرًا على نيات أبعد من مجرد إعادة تموضع تكتيكي.
في الخلفية، يطفو سؤال أكبر: هل انهارت التفاهمات التي جرت بوساطة أميركية، أم أن ما يجري هو إعادة تفاوض بالنار؟ اتهام دمشق لقوى مرتبطة بالعمال الكردستاني بتنفيذ الهجوم يفتح الباب أمام تحميل «قسد» مسؤولية سياسية وأمنية أوسع، ويضعها في موقع الطرف الذي يخلط بين المحلي والإقليمي، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
في المحصلة، ما يحدث غرب الفرات يوحي بأن المنطقة تدخل طورًا جديدًا من الصراع، أقل ضبابية وأكثر مباشرة. استهداف الجنود، ثم الإعلام، ثم إعلان الإغلاق العسكري، كلها حلقات في سلسلة واحدة عنوانها: انتهاء مرحلة “الاحتواء البارد” وبداية اختبار القوة والإرادة.