في تحذير يعكس تصاعد حدة المواجهة بين دمشق وواشنطن، كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن مسؤولين أميركيين كبارًا أبلغوا الحكومة السورية بأن إعادة فرض عقوبات «قانون قيصر» ستكون مطروحة بقوة إذا مضت القوات الحكومية في توسيع العمليات العسكرية شرقي سوريا، في سياق يُنظر إليه كتحذير مباشر من الانزلاق نحو مواجهة أوسع تشمل «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة أميركيًا.
وتأتي هذه التهديدات في لحظة مفصلية تاريخيًا، حيث تتقاطع مصالح القوى الإقليمية والدولية على طول نهر الفرات، الذي كان منذ 2012 محورًا لصراع النفوذ بين دمشق والولايات المتحدة وتركيا وروسيا. وتشير التقديرات الاستخباراتية الأميركية إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع يخطط لعملية متعددة المحاور في ريف حلب الشرقي، بدعم من الجيش التركي، بهدف توسيع سيطرة دمشق على مناطق شهدت منذ 2011 نزاعات مستمرة بين الجيش السوري والفصائل المحلية، وبين قسد المدعومة أميركيًا.
وبحسب المسؤولين الأميركيين، فإن أي توسيع في نطاق العمليات من شأنه أن يُعيد إشعال مواجهة معقدة في شمال شرقي سوريا، حيث تتواجد القوات الأميركية وقواعدها العسكرية، ويزيد خطر مواجهة مباشرة بين واشنطن ودمشق، في وقت لا تزال العلاقات بين الطرفين مشحونة منذ تدخل الولايات المتحدة في الملف السوري عام 2014، ودعمها للقوى الكردية شمال البلاد.
في المقابل، اتخذت دمشق خطوات ميدانية متسارعة، إذ أعلن قائد «قسد» مظلوم عبدي عن سحب قواته من مناطق التماس شرقي حلب اعتبارًا من صباح اليوم السبت، استجابة لدعوات من «دول صديقة ووسطاء»، واعتبرها مراقبون كبادرة حسن نية لتنفيذ اتفاق العاشر من آذار، الذي أبرم بوساطة دولية لحماية استقرار المنطقة واحتواء التصعيد.
ويلاحظ محللون سياسيون أن التلويح الأميركي بإعادة تفعيل «قانون قيصر» لم يأتِ في فراغ، بل هو جزء من سلسلة أدوات ضغط استخدمتها واشنطن منذ 2019 لفرض قيود اقتصادية على دمشق، ولردع أي محاولات لتغيير الوقائع الميدانية شرق سوريا، والتي تشمل خطوط الإمداد الحيوية للميليشيات الإيرانية وحزب الله عبر الحدود اللبنانية، وما يمكن أن يشكله التوسع العسكري السوري من تهديد لإسرائيل والأمن الإقليمي.
من جانب آخر، يشير التاريخ الحديث للصراع السوري إلى أن كل عملية عسكرية شرق الفرات كانت ترتبط بتوازن دقيق بين الضغط العسكري والدبلوماسي، حيث لعبت واشنطن دورًا مركزيًا في كبح أي تمدد محتمل، بينما اعتمدت دمشق على دعم روسي وتركي لضمان تحقيق أهدافها دون تصعيد مباشر مع القوى الدولية. ويرى محللون أن هذا التنسيق المعقد بين الضغط الاقتصادي والتحركات العسكرية والدبلوماسية يعكس طبيعة الصراع السوري بوصفه ساحة تجريبية لاستراتيجيات الردع الإقليمية والدولية، في وقت تتشابك فيه ملفات أخرى مثل النفوذ الإيراني، والتدخلات التركية، وملف اللاجئين، والأمن المائي والطاقة.
ويخلص مراقبون إلى أن واشنطن، من خلال تهديدها بتفعيل «قانون قيصر»، لا تسعى فقط إلى حماية قواتها في شمال شرقي سوريا، بل تستخدم أيضًا هذا الملف كآلية ضغط دبلوماسية لإبقاء دمشق تحت رقابة دولية، ومنعها من توسيع نفوذها على طول الحدود الشرقية، ما قد يهدد موازين القوى في المنطقة ويعيد رسم خارطة النفوذ بين اللاعبين الإقليميين والدوليين.