في لحظةٍ سورية مثقلة بالذاكرة وبالتحوّلات، عاد الشرق الحلبي ليتقدّم واجهة المشهد العسكري والسياسي، لا بوصفه ساحة اشتباك عابر، بل كعقدة استراتيجية تتقاطع عندها حسابات الدولة، وقلق الفاعلين المحليين، وتوازنات الرعاية الدولية. دخول الجيش العربي السوري إلى دير حافر ومسكنة، ثم التمدّد باتجاه دبسي عفنان ومحيط مطار الجراح العسكري، لا يمكن قراءته كخبر ميداني معزول، بل كفصل جديد في محاولة إعادة رسم خريطة السيطرة شرق الفرات، بعد سنوات من التجميد القسري والفراغ المقنّع.

فشرق حلب، تاريخيًا، لم يكن مجرد امتداد جغرافي، بل خط تماس سياسي منذ بدايات الحرب السورية. من دير حافر التي شكّلت بوابة استراتيجية نحو الرقة، إلى مسكنة المطلة على ضفاف الفرات، ظلّت هذه المناطق محل تنازع بين منطق “الدولة المركزية” ومنطق “الإدارات الواقعية” التي نشأت تحت مظلة الحرب والتحالفات العابرة للحدود. واليوم، يبدو أن دمشق قررت اختبار لحظة الانكفاء النسبي للفاعلين الآخرين، واستعادة ما تعتبره “الجغرافيا المؤجلة”.

إعلان هيئة العمليات في الجيش العربي السوري بسط السيطرة على دير حافر ثم مسكنة، والسيطرة على عشرات القرى ومطار الجراح العسكري، يحمل دلالات تتجاوز الأرقام. فمطار الجراح، الذي تغيّر دوره مرارًا خلال سنوات الصراع، يعود اليوم رمزًا لمحاولة إعادة تثبيت الحضور العسكري للدولة في منطقة طالما اعتُبرت خارج الحسابات المباشرة. نشر الصور واللقطات من داخل المطار ليس تفصيلًا إعلاميًا، بل رسالة مزدوجة: إلى الداخل بأن “الخرائط تتبدّل”، وإلى الخارج بأن زمن الخطوط الرمادية قد يقترب من نهايته.

غير أن هذا التقدّم لم يجرِ في فراغ. فالتوتر الذي انفجر قرب مسكنة بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية كشف هشاشة التفاهمات التي رُوّج لها كجسر عبور آمن. روايتان متقابلتان تتصارعان على المشهد: دمشق تتحدّث عن خروقات من جانب “قسد” واستهداف دورياتها وسقوط قتلى، فيما تؤكد “قسد” أن دخول الجيش تم قبل اكتمال الانسحاب، ما خلق “وضعًا بالغ الخطورة”. وبين الروايتين، يطفو سؤال قديم جديد: هل نحن أمام خلل تقني في التنفيذ… أم صدام إرادات مؤجّل كان لا بد أن يظهر عند أول اختبار ميداني؟

سياسيًا، لا يمكن فصل ما يجري عن السياق الأوسع شرق الفرات، حيث ظلّ هذا الإقليم لسنوات ساحة نفوذ أميركية غير مباشرة، وورقة ضغط في وجه دمشق. التفاهمات التي جرت بوساطة أميركية، وفق ما أشار إليه المرصد السوري لحقوق الإنسان، تعكس إدراكًا دوليًا بأن مرحلة “الإدارة المؤقتة المفتوحة” لم تعد قابلة للاستدامة، لكنها في الوقت نفسه تكشف حدود هذا الإدراك حين ينتقل من الورق إلى الأرض.

تاريخ العلاقة بين دمشق و”قسد” اتسم بالبراغماتية القلِقة: لا مواجهة شاملة، ولا اندماج حقيقي. تعاون ظرفي ضد خصم مشترك، يقابله شك متبادل في النوايا النهائية. وما يحدث اليوم في مسكنة ودير حافر قد يكون ترجمة ميدانية لهذا التناقض البنيوي، حيث تحاول الدولة توسيع هامش سيطرتها، فيما تخشى “قسد” أن يتحول الانسحاب التكتيكي إلى فقدان دائم للأوراق.

في العمق، يعكس هذا المشهد محاولة دمشق استثمار لحظة إقليمية متغيّرة: انشغال دولي بملفات أكبر، إعادة ترتيب أولويات واشنطن، وتراجع شهية التدخل المباشر. لكن هذه المحاولة تصطدم بواقع معقّد، حيث لا تزال خريطة شرق الفرات محكومة بتوازنات دقيقة، وأي خطوة غير محسوبة قد تعيد إنتاج دائرة التصعيد.

 

ما يجري اليوم، إذًا، ليس مجرد تقدّم عسكري ولا مجرد خرق لاتفاق. إنه اختبار لإمكانية الانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة ما بعد الصراع في واحدة من أكثر المناطق حساسية في سوريا. اختبار لمدى قدرة الدولة على استعادة الجغرافيا من دون تفجير التوازنات، ولقدرة “قسد” على التكيّف مع واقع يتغيّر أسرع مما تسمح به حساباتها.