في مشهد إقليمي مشدود إلى أقصى درجات التوتر، بدت إيران وكأنها تدخل مرحلة حبس أنفاس جماعي؛ لا حرب تُعلَن ولا تهدئة تُرسَّخ، بل مزيج ثقيل من القمع الداخلي، والضغط الخارجي، والدبلوماسية القلِقة التي تتحرك تحت سقف الخوف من الانفجار. فبين شوارع أُخمدت فيها الاحتجاجات بالقوة، وعواصم غربية تلوّح بسياط العقوبات، تتقدّم الأزمة الإيرانية باعتبارها اختبارًا مفتوحًا لقدرة النظام على الصمود… أو التكيّف.
أرقام القتلى التي أعلنها نشطاء حقوقيون، وتحققت منها منظمة «هرانا»، تجاوزت عتبة الثلاثة آلاف، معظمهم من المتظاهرين، منذ اندلاع الاحتجاجات أواخر ديسمبر، في واحدة من أعنف موجات القمع التي شهدتها البلاد منذ سنوات. أرقام لا تُقرأ بمعزل عن السياق، ولا يمكن فصلها عن حملة الاعتقالات الواسعة، والانقطاع شبه الكامل للإنترنت الذي استمر أكثر من ثمانية أيام، في محاولة واضحة لإعادة ضبط الشارع بالقوة، وعزله عن الخارج في لحظة كان فيها النظام يواجه تحديًا داخليًا غير مسبوق.
ورغم الحديث عن هدوء نسبي في طهران وبعض المدن خلال الأيام الأخيرة، إلا أن هذا الهدوء لا يبدو نتاج تسوية، بقدر ما هو هدوء ما بعد الصدمة. طائرات مسيّرة تحلّق، شوارع مراقَبة، اتصال إنترنت لا يتجاوز 2 في المائة من مستوياته الطبيعية، ومجتمع يعيش تحت سقف الخوف والترقّب. وهو ما يعزّز الانطباع بأن الاحتجاجات لم تُحلّ، بل جُمّدت مؤقتًا بفعل القبضة الأمنية.
هذا المشهد الداخلي الثقيل انعكس مباشرة على موقع إيران خارجيًا. فمع تصاعد التقارير عن الإعدامات، أو الاستعداد لها، دخلت طهران في مواجهة سياسية وأخلاقية مفتوحة مع الغرب. موجة إدانات غير مسبوقة، استدعاء سفراء، تهديد بعقوبات إضافية تطال شخصيات وكيانات أمنية وقضائية، وحديث متزايد عن عزل سياسي أعمق، في لحظة تعاني فيها إيران أصلًا من إرهاق اقتصادي وعقوبات مزمنة.
في واشنطن، لم تُخفِ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ربطها بين السلوك الداخلي للنظام الإيراني وخياراتها الاستراتيجية. التهديد بـ«إجراء قوي للغاية» في حال تنفيذ إعدامات جماعية، ثم الإعلان عن إلغاء ضربة عسكرية بعد معلومات عن تعليق أكثر من 800 حكم إعدام، عكس تحوّلًا نوعيًا في المقاربة الأميركية: الداخل الإيراني لم يعد ملفًا حقوقيًا فحسب، بل أصبح عنصرًا فاعلًا في معادلة الردع والضغط.
لكن تعليق الإعدامات — إن صحّ — لم يكن كافيًا لرفع سيف التهديد. فواشنطن أبقت كل الخيارات مفتوحة، من العقوبات إلى الأدوات غير العسكرية، وصولًا إلى السيناريو العسكري، في حال عادت طهران إلى سياسة “الحسم الدموي”. وهنا تحديدًا دخلت المنطقة مرحلة اللاقرار المعلَّق: لا تصعيد حاسم، ولا تهدئة مضمونة.
في مواجهة هذا الضغط، تحرّكت الدبلوماسية الإيرانية على أكثر من خط، في محاولة لإدارة الأزمة لا حلّها. اتصالات مع دول خليجية، انفتاح حذر على تركيا وبعض العواصم الآسيوية، وزيارات خارجية لوزير الخارجية عباس عراقجي، في مسعى واضح لخفض منسوب التوتر، وتقديم إيران كطرف يسعى إلى “الاستقرار الإقليمي”، ولو بالخطاب. غير أن هذه التحركات بدت أقرب إلى شراء الوقت منها إلى تغيير المسار، خصوصًا في ظل استمرار لغة التهديد المتبادل مع واشنطن.
فطهران، في خطابها الرسمي، تواصل تحميل “الأطراف الخارجية” مسؤولية الاضطرابات، وتُلوّح بأن أي استهداف لها سيقابل بردّ، فيما تردّ واشنطن بإشارات مدروسة مفادها أن الصبر ليس مفتوحًا، وأن اختبار النيات لا يدوم طويلًا. وبين هذا وذاك، تقف المنطقة كلها في مساحة رمادية، حيث أي خطأ في الحسابات قد يشعل سلسلة تفاعلات يصعب احتواؤها.
تاريخيًا، لطالما راهن النظام الإيراني على امتصاص الصدمات: قمع داخلي سريع، تصعيد خارجي مضبوط، ثم العودة إلى طاولة التفاوض من موقع “الناجي”. لكن ما يميّز اللحظة الراهنة هو تزامن الأزمات: شارع غاضب لم يُقنعه القمع، اقتصاد مُنهك، حلفاء إقليميون أضعفتهم الحروب، وبيئة دولية أقل تسامحًا مع منطق القوة العارية.
في المحصلة، قد تكون الاحتجاجات خمدت مؤقتًا، وقد تكون الضربة العسكرية أُرجئت، لكن الأزمة لم تُحل. ما يجري هو إدارة دقيقة لحافة الهاوية، حيث يحاول كل طرف دفع الآخر خطوة إلى الخلف من دون السقوط.