لم يأتِ الترحيب السعودي بإعلان بدء المرحلة الثانية من «خطة السلام الشاملة» بوصفه موقفًا بروتوكوليًا عابرًا، بل كجزء من إعادة تموضع سياسي محسوبة في لحظة مفصلية من الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، حيث يتقدّم سؤال «اليوم التالي لغزة» على كل ما عداه.
فالبيان الصادر عن وزارة الخارجية السعودية، والذي رحّب بتشكيل «اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة» كهيئة انتقالية مؤقتة بموجب قرار مجلس الأمن 2803، يعكس قناعة متنامية بأن المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل معركة على من يملأ الفراغ السياسي والمؤسسي بعد الحرب.
تشديد الرياض على أن اللجنة الوطنية الفلسطينية هيئة انتقالية، وعلى ضرورة الحفاظ على الارتباط المؤسسي والجغرافي بين غزة والضفة الغربية، لا يبدو تفصيلاً لغويًا، بل ردًا استباقيًا على سيناريوهات التفكيك والتجزئة، التي طُرحت – علنًا أو ضمنيًا – خلال الأشهر الماضية، سواء عبر مشاريع إدارة منفصلة للقطاع أو عبر وصاية أمنية طويلة الأمد.
وفي هذا السياق، يصبح رفض أي محاولة لتقسيم غزة رسالة مزدوجة: رسالة للفصائل الفلسطينية بضرورة الانضواء ضمن إطار وطني جامع. ورسالة لإسرائيل بأن ما بعد الحرب لن يكون إعادة إنتاج لواقع «غزة المعزولة».
الترحيب السعودي بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن «مجلس السلام»، وتقدير قيادته وجهوده لوقف الحرب، يعكس تحوّلًا لافتًا في الخطاب، لكنه لا يخلو من حسابات دقيقة.
فالرياض، وهي تُثمّن التزام ترامب بانسحاب الجيش الإسرائيلي ومنع ضم الضفة الغربية، تضع هذه الالتزامات في خانة الاختبار العملي لا الوعود السياسية.
إذ أن التجربة الإقليمية، كما ترى عواصم عربية عدة، علّمت أن أي مسار سلام لا يُثبَّت على الأرض يبقى هشًا وقابلًا للانهيار عند أول احتكاك.
إشادة البيان السعودي بجهود الوسطاء – قطر ومصر وتركيا – تعكس إدراكًا بأن المشهد الحالي لا يُدار من عاصمة واحدة، بل عبر شبكة وساطات متقاطعة تحاول منع انزلاق غزة إلى فوضى ما بعد الحرب.
غير أن نجاح هذه الجهود يظل مرهونًا بشرط أساسي شددت عليه الخارجية السعودية بوضوح: تثبيت وقف إطلاق النار، ووقف الانتهاكات، وضمان تدفّق المساعدات دون قيود. فمن دون ذلك، تتحوّل أي لجنة انتقالية إلى كيان شكلي عاجز، وتصبح إعادة الإعمار شعارًا بلا أرضية.
الدعوة إلى التمهيد لعودة السلطة الوطنية الفلسطينية لتولّي مسؤولياتها في القطاع، تفتح نقاشًا أعمق حول شكل السلطة ودورها وصلاحياتها بعد الحرب. هل تعود السلطة كما كانت؟ أم أن المرحلة الانتقالية تهدف إلى إعادة هندسة النظام السياسي الفلسطيني، تمهيدًا لتسوية أوسع؟
البيان السعودي لا يجيب مباشرة، لكنه يربط هذه العودة بهدف استراتيجي واضح: إنهاء الاحتلال الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وفق قرارات الأمم المتحدة ومبادرة السلام العربية ومبدأ حل الدولتين.
في المحصلة، يبدو الموقف السعودي محاولة لإعادة تثبيت الإطار السياسي للصراع في مواجهة واقع ميداني مضطرب، حيث لا تزال البنادق أعلى صوتًا من البيانات.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل تمثّل هذه المرحلة بداية مسار سياسي قابل للحياة؟ أم أنها مجرد إدارة مؤقتة للأزمة، بانتظار جولة صدام جديدة؟
بين التفاؤل الحذر والشك العميق، تبقى غزة – مرة أخرى – في قلب معادلة إقليمية أكبر منها، حيث يُرسم مستقبلها على طاولة السياسة… فيما لم تُطوَ بعد صفحة الحرب.