لم يكن قرار نيوزيلندا إغلاق سفارتها في طهران مؤقتًا وإجلاء طاقمها الدبلوماسي مجرّد إجراء احترازي روتيني، بقدر ما بدا حلقة جديدة في مشهد يتّسع فيه الفراغ الدبلوماسي حول إيران، كلما ازداد الداخل اشتعالًا وتآكلت قدرة النظام على إقناع الخارج بأن ما يجري «تحت السيطرة».
فالانسحاب الهادئ الذي تم ليلًا، ونقل عمليات السفارة إلى أنقرة، يحمل دلالة سياسية تتجاوز حجم نيوزيلندا أو وزنها الدبلوماسي، ليضع طهران مجددًا أمام سؤال مركزي: متى تتحول الاحتجاجات الداخلية إلى عبء استراتيجي خارجي لا يمكن احتواؤه؟
يأتي هذا التطور في ظل استمرار حملات القمع الواسعة ضد الاحتجاجات الشعبية التي تشهدها إيران منذ أواخر العام الماضي، والتي تحوّلت من مطالب معيشية إلى تحدٍ سياسي مفتوح، رافقته أرقام صادمة عن أعداد القتلى والمعتقلين، وانقطاع شبه كامل للإنترنت، في محاولة لعزل الشارع عن العالم.
هذا المشهد دفع عواصم أوروبية عدّة إلى استدعاء السفراء الإيرانيين، من باريس وبرلين وروما إلى مدريد، في خطوة تعكس تحوّلًا من بيانات القلق إلى إجراءات دبلوماسية عقابية ناعمة، تُراكم الضغط دون الذهاب فورًا إلى القطيعة الكاملة.
وبينما تُحمّل طهران «أطرافًا خارجية» مسؤولية الاضطرابات، تبدو الحقيقة أكثر تعقيدًا: فكلما اتسع نطاق القمع، تقلّص هامش المناورة الدبلوماسية، وتحولت السفارات الأجنبية من جسور تواصل إلى نقاط خطر.
في موازاة هذا الانكماش الغربي، كثّفت إيران تحركاتها الدبلوماسية في اتجاه مغاير: اتصالات متسارعة مع دول الخليج، وتركيا، وآسيا الوسطى، في محاولة واضحة لإعادة إنتاج شبكة أمان سياسية، تمنع انتقال العزلة من الغرب إلى الإقليم.
وفي هذا السياق، جاءت زيارة وزير الخارجية عباس عراقجي إلى لبنان الجمعة الماضية، كجزء من دبلوماسية احتواء الأضرار أكثر منها دبلوماسية مبادرة.
فالتحرك الإيراني في بيروت، كما في عواصم أخرى، بدا محاولة لبعث رسائل مزدوجة: طمأنة الحلفاء، وإيصال إشارات للخارج بأن طهران لا تزال لاعبًا إقليميًا قادرًا على الحركة، رغم الضغوط.
غير أن مراقبين يرون أن هذه الجولات، مهما اتّسع مداها، لا تعالج جوهر الأزمة، بل تلتف حولها. فالمشكلة لم تعد في نقص القنوات، بل في مضمون الرسالة التي تحملها إيران إلى العالم.
التاريخ القريب يقدّم إشارات واضحة: كلما اهتز الداخل الإيراني، انعكس ذلك فورًا على سلوك النظام خارجيًا، سواء عبر التصعيد أو عبر دبلوماسية هجومية تحاول استباق الضغوط. لكن الفارق هذه المرة أن الاحتجاجات جاءت في لحظة إقليمية دقيقة، بعد حرب الـ12 يومًا مع إسرائيل، وتراجع نفوذ حلفاء طهران في أكثر من ساحة، ما حدّ من قدرتها على استخدام أوراق الردع التقليدية.
وفي هذا السياق، يُقرأ إغلاق السفارات، واستدعاء السفراء، وتنامي الحديث عن عقوبات إضافية، بوصفه مؤشرات على تحوّل نوعي: من محاولة تعديل سلوك إيران، إلى إدارة تداعيات عدم استقرارها.