شدّد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في تصريحات له، اليوم الخميس، على «أهمية استخدام القنوات الدبلوماسية وتعزيز التعاون الإقليمي» للحفاظ على استقرار المنطقة، في وقت تتقاطع فيه الضغوط الداخلية في إيران مع تصعيد سياسي وأمني متزايد على المستوى الإقليمي والدولي.
وتأتي تصريحات عراقجي في لحظة حرجة تشهد فيها إيران موجة احتجاجات واسعة دخلت أسابيعها المتتالية، على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية. ومع توسّع رقعة التظاهرات، فرضت السلطات قيوداً مشددة على الإنترنت والاتصالات، ما ألقى بظلال كثيفة من الضبابية على المشهد الداخلي، وأثار انتقادات حقوقية متصاعدة في العواصم الغربية.
في المقابل، تصاعدت حدة الخطاب بين طهران وواشنطن، حيث لوّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بإجراءات «قاسية» في حال استمرار قمع المتظاهرين، ملوّحاً بخيارات تتراوح بين تشديد العقوبات ودرس تحركات عسكرية محدودة. كما تحدثت تقارير غربية عن اجتماعات أمنية أميركية–إسرائيلية مكثفة لتقييم السيناريوهات المحتملة، في ظل مخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة جديدة.
وفي هذا السياق، تبدو دعوة عراقجي إلى الدبلوماسية محاولة لإعادة الإمساك بخيوط المشهد الخارجي، وتوجيه رسائل مزدوجة: الأولى إلى الداخل، بإظهار أن القيادة السياسية لا تزال تمسك بقنوات التواصل الدولية؛ والثانية إلى الخارج، بالتأكيد على أن طهران تفضّل إدارة الأزمات عبر الحوار، لا عبر التصعيد.
ويقرأ مراقبون هذه التصريحات أيضاً في ضوء الحراك الدبلوماسي الإقليمي المتسارع، ولا سيما الاتصالات الأخيرة مع السعودية ودول أخرى في المنطقة، حيث تسعى طهران إلى تثبيت مسار التهدئة الذي انطلق بعد اتفاق استئناف العلاقات مع الرياض، في وقت تتراجع فيه أوراق نفوذها الإقليمية نتيجة تداعيات الحروب الأخيرة، من غزة إلى لبنان واليمن.
لكن في المقابل، يرى محللون أن الخطاب الدبلوماسي الإيراني يصطدم بواقع ميداني معقّد، فاستمرار الاحتجاجات واتساعها، مقروناً بغياب مبادرات سياسية داخلية واضحة لاحتوائها، يحدّ من قدرة طهران على إقناع المجتمع الدولي بأن الأزمة تحت السيطرة. كما أن تحميل «الأطراف الخارجية» مسؤولية الاضطرابات، من دون تقديم مسار تهدئة داخلي، يزيد من فجوة الثقة مع الشارع ومع العواصم الغربية على حد سواء.
وفي ظل هذا المشهد المتشابك، تبقى إيران أمام معادلة دقيقة: تهدئة الخارج عبر الدبلوماسية والتعاون الإقليمي، مقابل أزمة داخلية مفتوحة لا تزال تبحث عن مخرج سياسي، فيما تراقب العواصم الكبرى مسار الأحداث بترقب، بانتظار ما إذا كانت لغة الحوار ستترجم خطوات ملموسة، أم ستبقى في إطار الرسائل السياسية فقط.