في ظل احتدام المواجهة بين الشارع الإيراني والسلطات، وتزايد الضغوط الغربية على طهران، تتكثف التقديرات داخل الأوساط الأمنية الإسرائيلية بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقترب من خيار توجيه ضربة عسكرية محدودة ضد إيران. ووفق هذه التقديرات، فإن الهدف لا يتمثل في إسقاط النظام، بل في دفعه قسرًا للعودة إلى طاولة التفاوض، مستفيدًا من أضعف لحظة داخلية يمر بها منذ عقود.
وبحسب وسائل إعلام إسرائيلية، فإن هذا التوجه الأميركي، رغم طابعه «المحسوب»، لا يبدد القلق السائد في تل أبيب، حيث يسود شعور بالارتباك والترقب إزاء سلوك طهران المحتمل، في ظل مشهد داخلي إيراني متفجر، ودعم غربي سياسي وإعلامي متصاعد للاحتجاجات.
غموض واشنطن… واستنفار تل أبيب
هيئة البث الإسرائيلية نقلت عن مصادر رفيعة أن واشنطن تتعمد إدارة الأزمة بسياسة الغموض الاستراتيجي، من دون إعلان نوايا واضحة، ما يفرض على إسرائيل الاستعداد لأسوأ السيناريوهات. ورغم وجود تقديرات ترجّح أن طهران ستسعى إلى تجنب مواجهة مباشرة، إلا أن هشاشة الوضع الداخلي تجعل أي رد فعل إيراني محتملًا وغير قابل للتنبؤ.
وتشير التقييمات الأمنية الإسرائيلية إلى أن الاحتجاجات داخل إيران دخلت مرحلة نوعية، مع ارتفاع أعداد الضحايا إلى مستويات غير مسبوقة، وسط صعوبة التحقق من الأرقام نتيجة الحجب شبه الكامل للإنترنت. وترى هذه الأجهزة أن حجم العنف المستخدم يعكس حالة ذعر داخل مؤسسات الحكم، أكثر مما يعكس قدرة حقيقية على السيطرة.
وتضيف المصادر أن إصرار القيادة الإيرانية على توصيف ما يجري بأنه «مؤامرة خارجية» فشل في احتواء الشارع، بل عمّق القطيعة معه، في وقت تحولت فيه الاحتجاجات إلى ملف دولي تُرجم باستدعاء سفراء، وتهديدات بعقوبات، وبحث علني في آليات دعم حرية الاتصالات داخل إيران.
ضربة موجعة… دون كسر الخطوط الحمراء
مصادر أمنية إسرائيلية لا تستبعد تحركًا أميركيًا «موجعًا لكن غير شامل»، قد يتخذ شكل ضربات دقيقة، أو هجمات سيبرانية واسعة تستهدف بنية النظام الأمنية والاتصالية، مع الإبقاء على نافذة دبلوماسية مفتوحة للعودة إلى التفاوض النووي.
لكن السؤال المركزي، وفق هذه المصادر، لا يزال مرتبطًا برد الفعل الإيراني: هل تلجأ طهران إلى تصعيد خارجي لصرف الأنظار عن الداخل؟ أم تختار ضبط النفس لتفادي استنزاف إضافي قد يهدد تماسك النظام؟
القناة 12 الإسرائيلية أفادت بأن مستوى الجهوزية الأمنية رُفع إلى الحد الأقصى، ليس لأن الضربة مؤكدة، بل لأن التوقيت بات أقرب من أي وقت مضى. ونقلت عن مسؤولين أميركيين أن النقاش داخل الإدارة لم يعد يدور حول «هل» ستتحرك واشنطن، بل حول «متى» وبأي أدوات.
وفي هذا السياق، عزز الجيش الإسرائيلي استعداده على عدة جبهات، ورفع مستويات الدفاع والهجوم، ووسّع إجراءات الحماية لتشمل بعثات دبلوماسية ومصالح إسرائيلية في الخارج، تحسبًا لردود غير مباشرة.
الشارع الإيراني… عامل الحسم
التقديرات الإسرائيلية ترى أن ما تشهده إيران يتجاوز موجة احتجاج تقليدية. فالمعطيات المتداولة تشير إلى سقوط أعداد كبيرة من عناصر الأجهزة الأمنية خلال المواجهات، ما يُفسَّر كمؤشر على تصدعات داخلية عميقة، واحتقان يتخطى الأطر السياسية المعتادة.
ويرى مراقبون أن تمسك السلطات بالمقاربة الأمنية، وغياب أي أفق سياسي أو إصلاحي، أسهما في توسيع دائرة الغضب الشعبي، في وقت باتت فيه الاحتجاجات تحظى بغطاء دولي غير مسبوق، يضع طهران أمام معادلة شديدة التعقيد بين الداخل والخارج.
في تل أبيب، لا يُنظر إلى المشهد الإيراني بوصفه أزمة داخلية فحسب، بل كنقطة تحول قد تعيد رسم قواعد الاشتباك في المنطقة. فكل خطوة أميركية، مهما وُصفت بالمحدودة، ستُقرأ في طهران على أنها اختبار مصيري، في لحظة تاريخية بالغة الحساسية.