لا يمكن التعامل مع تصريح مسؤول الإيراني لوكالة «رويترز»، اليوم الثلاثاء، عن سقوط نحو ألفي شخص في الاحتجاجات، بينهم عناصر أمنية، على أنه مجرّد تصحيح للأرقام أو انفراج متأخر في شفافية النظام. الاعتراف جاء محمّلًا بتهمة جاهزة: «الإرهابيون هم المسؤولون»، في محاولة واضحة لنقل النقاش من سؤال: من قُتل؟ ولماذا؟ إلى سؤال آخر: من يتآمر على إيران؟
منذ «الحركة الخضراء» عام 2009، لم تهدأ الساحات الإيرانية طويلًا، احتجاجات 2017–2018 على الأوضاع المعيشية، انتفاضة البنزين في 2019، ثم الانفجار الأكبر بعد مقتل مهسا أميني عام 2022 تحت شعار «المرأة، الحياة، الحرية». في كل هذه المحطات، اختارت السلطة القاموس ذاته: «مثيرو شغب»، «مخربون»، «أدوات في يد أميركا وإسرائيل». لم يُسمّ المحتجون يومًا بما هم عليه فعلًا: مواطنون غاضبون من اقتصاد منهار، وفساد متجذّر، وقبضة أمنية خانقة.
في الأيام الماضية، حاولت طهران شدّ خيوط روايتها أكثر. وزير الخارجية الإيراني كشف أمس عن امتلاك بلاده «تسجيلات» قال إنها تثبت تورّط جهات خارجية في تأجيج الاحتجاجات، في إشارة مباشرة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل. بالتوازي، أطلقت وزارة الاستخبارات سلسلة تصريحات تتحدّث عن «شبكات منظمة» بين المتظاهرين، و«خلايا مرتبطة بالخارج»، لتكريس صورة المحتج كـ«تهديد أمني» لا كصوت احتجاج داخلي مشروع.
هنا تزداد دلالة رقم «الألفي قتيل». فبدل أن يشكّل هذا الرقم لحظة مراجعة أو اعتراف بفداحة ما جرى، جرى توظيفه كدليل على «حجم المؤامرة» لا على حجم المأساة. آلاف القتلى، في الرواية الرسمية، ليسوا نتيجة قرار سياسي باستخدام الرصاص في مواجهة الشارع، بل «ضريبة مواجهة الإرهاب المدعوم من واشنطن وتل أبيب».
لكن المشكلة أن هذه السردية لم تعد تُقنع الداخل كما كانت تفعل قبل عقد. الإيراني الذي يواجه تضخّمًا يلتهم راتبه، وعقوبات تخنق اقتصاده، وفسادًا يتربّع على قمة هرم السلطة، لا يجد في الحديث عن «مخطط أميركي–إسرائيلي» تفسيرًا لغياب الدواء، وارتفاع الأسعار، وانسداد الأفق. هنا تحديدًا يصبح النظام في موقف حرج:
إمّا أن يعترف بأن جذور الأزمة داخلية – سياسية، اقتصادية، بنيوية – وإمّا أن يواصل تعليق كل شيء على مشجب الخارج، مع كلفة دموية تتكشّف أرقامها تباعًا.
اعتراف «الألفي قتيل» ليس رقمًا عابرًا في نشرة أخبار. هو مرآة لأزمة نظام يصرّ على رؤية شعبه كـ«قنبلة موقوتة» لا كقاعدة شرعية، ويصرّ في الوقت نفسه على إقناع العالم أنه ضحية دائمة لمؤامرة لا تنتهي. بين هذه الرواية وتلك، تبقى حقيقة واحدة ثابتة: هناك دم سال في الشارع، وهناك سلطة تحاول حتى اللحظة إعادة كتابة قصته بما يخدم بقاءها، لا بما ينصف ضحاياه.