فيما تتواصل الاضطرابات داخل إيران، سعى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الاثنين، إلى طمأنة الداخل والخارج، مؤكدًا أن الأوضاع «باتت تحت السيطرة الكاملة»، عقب موجة عنف رافقت الاحتجاجات التي اندلعت أواخر الأسبوع الماضي.
وفي لهجة تصعيدية، حمّل عراقجي الرئيس الأميركي دونالد ترامب مسؤولية ما وصفه بـ«تأجيج العنف»، معتبرًا أن تحذيرات واشنطن من التدخل في حال استخدام القوة ضد المتظاهرين شجّعت، وفق تعبيره، «جماعات إرهابية» على استهداف المدنيين وقوات الأمن، بهدف خلق ذريعة لتدخل خارجي في الشأن الإيراني.
واشنطن تلوّح بخيارات مفتوحة
بالتوازي، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن بلاده تجري اتصالات مع أطراف معارضة داخل إيران، ولا تستبعد عقد لقاءات مع مسؤولين إيرانيين، في وقت تدرس فيه الإدارة الأميركية حزمة واسعة من الخيارات للتعامل مع التطورات المتسارعة، وسط اضطرابات تُوصف بأنها من أخطر التحديات التي تواجه النظام الإيراني منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.
وأوضح ترامب أن طهران أبدت رغبة في العودة إلى طاولة التفاوض بشأن ملفها النووي، الذي تعرّض، وفق قوله، لضربات أميركية وإسرائيلية خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا في يونيو الماضي. لكنه شدد في المقابل على أن واشنطن «لن تقف مكتوفة الأيدي» إذا لجأت السلطات الإيرانية إلى إطلاق النار على المتظاهرين.
أرقام متضاربة وضبابية إعلامية
وفي ظل غياب أرقام رسمية، أفادت وكالة «هرانا» الحقوقية، ومقرها الولايات المتحدة، بمقتل نحو 490 متظاهرًا و48 عنصرًا من قوات الأمن، إضافة إلى اعتقال أكثر من 10,600 شخص منذ اندلاع الاحتجاجات. ولم يتسنَّ التحقق من هذه الأرقام بشكل مستقل، في وقت تواصل فيه السلطات الإيرانية التزام الصمت حيال حصيلة الضحايا.
وقال مسؤول أميركي، إن ترامب سيعقد اجتماعًا حاسمًا، الثلاثاء، مع كبار مستشاريه للأمن القومي، لمناقشة السيناريوهات المحتملة تجاه إيران. وذكرت تقارير صحفية أميركية أن الخيارات المطروحة تشمل تشديد العقوبات، واستخدام أدوات سيبرانية، ودعم قنوات إعلامية ومعارضة عبر الإنترنت، فضلًا عن خيارات عسكرية محدودة.
تحذيرات إيرانية وردود نارية
من جهته، حذّر رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف واشنطن من «سوء الحسابات»، مؤكدًا أن أي هجوم على إيران سيجعل إسرائيل والقواعد والسفن الأميركية أهدافًا مشروعة. وجاءت تصريحاته في ظل تصاعد الخطاب الرسمي الإيراني الذي يربط الاحتجاجات بتدخلات خارجية.
الشارع يغلي والإنترنت مقطوع
الاحتجاجات التي اندلعت في 28 ديسمبر على خلفية الأزمة الاقتصادية وارتفاع معدلات التضخم، سرعان ما تحولت إلى حراك سياسي واسع يطالب بتغيير جذري في بنية الحكم. ومع اتساع رقعتها، فرضت السلطات قيودًا صارمة على الإنترنت، ما أعاق تدفق المعلومات والتغطية الإعلامية.
وفي هذا السياق، كشف ترامب عن نيته التواصل مع رجل الأعمال إيلون ماسك لبحث إمكانية توفير الإنترنت للإيرانيين عبر خدمة «ستارلينك»، في خطوة اعتبرها مراقبون تصعيدًا جديدًا في المواجهة الرقمية مع طهران.
مشاهد صادمة وحداد رسمي
مشاهد متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي أظهرت حشودًا ضخمة في شوارع طهران خلال مسيرات ليلية، فيما بث التلفزيون الرسمي لقطات لعشرات أكياس الجثث أمام مراكز الطب الشرعي، واصفًا القتلى بأنهم ضحايا «أعمال إرهابية مسلحة».
وأعلنت السلطات الإيرانية الحداد العام لمدة ثلاثة أيام، داعية إلى مسيرات حاشدة للتنديد بما تصفه «مؤامرة أميركية-إسرائيلية» لزعزعة استقرار البلاد.
سياق إقليمي هش
تأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه إيران تحاول ترميم موقعها الإقليمي بعد حرب يونيو 2025، وفي ظل تراجع نفوذ حلفائها في المنطقة، لا سيما «حزب الله» في لبنان، عقب تداعيات حرب غزة.
ورغم خطورة المشهد، يستبعد دبلوماسيون غربيون أن تفضي الاحتجاجات إلى سقوط النظام. ويقول الخبير الأميركي في الشأن الإيراني آلان آير إن الحراك الحالي «قد يخبو تدريجيًا»، لكنه سيترك النظام «أضعف وأكثر حذرًا»، في ظل غياب معارضة منظمة قادرة على قلب المعادلة.
في المقابل، يواصل ترامب توجيه رسائل دعم مباشرة إلى الشارع الإيراني، مؤكدًا أن «إيران تتطلع إلى الحرية كما لم يحدث من قبل»، ومشددًا على أن الولايات المتحدة «مستعدة للمساعدة».