في خضم الاحتجاجات المتواصلة داخل إيران، عاد ملف الإنترنت ليطفو كأداة صراع سياسي وأمني. الرئيس الأميركي دونالد ترامب كشف عن نيته التحدث مع رجل الأعمال إيلون ماسك لبحث إمكانية استعادة خدمة الإنترنت في إيران، بعد أن أقدمت السلطات على قطع الشبكة في محاولة للسيطرة على الشارع الغاضب.
تصريحات ترامب لم تأتِ في سياق تقني بحت. الإشارة إلى شركة «سبيس إكس» وخدمة «ستارلينك» تعكس إدراكًا أميركيًا متزايدًا بأن الفضاء الرقمي بات جزءًا من أدوات الضغط على الأنظمة، لا يقل أهمية عن العقوبات الاقتصادية أو الرسائل العسكرية.
قطع الإنترنت في إيران تزامن مع تصاعد الاحتجاجات واتساع رقعتها، وفق تقارير منظمات دولية متخصصة بمراقبة الشبكات. وتُعد هذه الخطوة من الأساليب التقليدية التي يعتمدها النظام الإيراني في أوقات الاضطراب، بهدف عزل المحتجين، ومنع توثيق الأحداث، وكبح التنسيق بين المتظاهرين.
في المقابل، تصعّد طهران لهجتها تجاه واشنطن، متهمةً الولايات المتحدة بالتدخل في شؤونها الداخلية، وبالوقوف خلف ما تصفه بـ«أعمال الشغب المنظّمة». كما حمّلت السلطات الإيرانية الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية دعم المتظاهرين و«إثارة الفتنة وزعزعة الاستقرار»، مستخدمةً لغة حادة وصفت فيها المحتجين بـ«الإرهابيين». وفي حين تتكرر هذه الاتهامات على ألسنة مسؤولين إيرانيين، لم يصدر أي تعليق رسمي من واشنطن أو تل أبيب بشأنها حتى الآن.
في هذا السياق، تبرز «ستارلينك» كخيار قادر على تجاوز البنية التحتية المحلية الخاضعة لسيطرة الدولة. إلا أن استخدام هذه الخدمة داخل إيران يظل معقدًا ومحفوفًا بالمخاطر، نظرًا لحاجة النظام إلى محطات أرضية يمكن تعقبها، ما يضع المستخدمين تحت طائلة الملاحقة والعقوبات.
الدعوات لتفعيل «ستارلينك» داخل إيران لا تقتصر على واشنطن. فقد تصاعدت المطالبات الدولية، أبرزها من ناشطين إيرانيين في الخارج، بتمكين الإيرانيين من الوصول إلى الإنترنت وكسر العزلة المفروضة عليهم. وفي موازاة ذلك، تحدثت تقارير إعلامية عن اهتمام إسرائيلي غير معلن بإمكانات الخدمة، من دون تأكيد أي دور مباشر في تشغيلها.
تجربة «ستارلينك» في أوكرانيا حاضرة بقوة في هذا النقاش. فالشبكة لعبت دورًا محوريًا في الحفاظ على الاتصال بعد استهداف البنية التحتية التقليدية، ما حولها من خدمة مدنية إلى أداة استراتيجية في النزاعات الحديثة.
بالتوازي، صعّد ترامب لهجته تجاه طهران، مؤكدًا أنه يتابع تطورات الاحتجاجات بشكل متواصل، ومشيرًا إلى أن خيارات عدة قيد الدراسة، تشمل تشديد العقوبات، واستخدام أدوات إلكترونية، ودعم قوى معارضة عبر الفضاء الرقمي، مع إبقاء جميع السيناريوهات الأخرى مطروحة.
في المحصلة، لا يبدو الحديث عن الإنترنت معزولًا عن المشهد السياسي الأوسع. فالمسألة تتجاوز إعادة الاتصال بالشبكة، لتلامس جوهر الصراع بين نظام يسعى إلى التحكم بالمعلومة، وإدارة أميركية ترى في الفضاء الرقمي ساحة ضغط جديدة في مواجهة طهران، في ظل اتهامات متبادلة ومشهد إقليمي شديد الحساسية.