القائمة
10:06 12 كانون الثاني 2026

عام على عهد الرئيس جوزاف عون: حصاد الوعود ومسار الدولة

لبنان

بعد فراغ رئاسي دام أكثر من عامين، جاء انتخاب العماد جوزاف عون رئيسًا للجمهورية في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان، وسط انهيار اقتصادي عميق وتحديات أمنية وسيادية متراكمة. ومنذ اليوم الأول، رسم الرئيس عون معالم عهده عبر خطاب قسم وُصف بالتاريخي، وضع فيه خارطة طريق واضحة لإعادة بناء الدولة، مؤكدًا أن هذه الوعود لن تبقى حبرًا على ورق.

وبعد مرور عام كامل، عاد اللبنانيون إلى تلك الالتزامات بوصفها معيارًا لتقييم ما تحقق، وما وُضع على سكة التنفيذ، وما لا يزال قيد الإنجاز.

الاستقرار أولًا: منع الانهيار وإبعاد شبح الحرب

في مقابلته التلفزيونية الأخيرة مع الاعلامي وليد عبود، شدد الرئيس عون على أن الإنجاز الأهم في السنة الأولى من عهده هو الحفاظ على الاستقرار الداخلي ومنع الانهيار الشامل، في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد. وأكد أن الدولة نجحت، رغم الضغوط الداخلية والخارجية، في التوفيق بين متطلبات السيادة الوطنية والحفاظ على السلم الأهلي.

وأوضح عون أن شبح الحرب الواسعة أُبعد عن لبنان، وإن لم ينتهِ كليًا، مشيرًا إلى أن الجهود السياسية والدبلوماسية والاتصالات المكثفة ساهمت في تجنيب البلاد سيناريوهات كانت متوقعة، كاجتياح بري أو تصعيد شامل.

 

حصرية السلاح: قرار سيادي ومسار تدريجي

 

من أبرز العناوين التي طغت على العهد، ملف حصر السلاح بيد الدولة. وأكد الرئيس أن هذا القرار ليس مطلبًا خارجيًا، بل هو أساس قيام الدولة ومطلب داخلي ورد صراحة في اتفاق الطائف وخطاب القسم.

وأشار إلى أن الجيش اللبناني استكمل سيطرته العملانية على جنوب الليطاني، ويواصل تنفيذ مهامه شماله وفق الإمكانات المتاحة، معتبرًا أن الأهم هو قدرة الدولة على منع استخدام الأراضي اللبنانية منطلقًا لأي أعمال عسكرية. وشدد على أن التنفيذ يتم وفق تقديرات القيادة العسكرية والظروف الميدانية، من دون تراجع عن القرار نفسه.

وفي هذا السياق، دعا عون جميع الأطراف إلى تغليب منطق الدولة على أي منطق آخر، معتبرًا أن دور أي سلاح خارج إطار الدولة انتفى بوجود الجيش، وأن الوقت حان لتحمل الدولة وحدها مسؤولية حماية الأرض والمواطنين.

 

أداء مؤسساتي وانتظام العمل الحكومي

 

على المستوى المؤسسي، أبرز الرئيس عون أن الدولة استعادت حدًا أدنى من انتظام عملها، حيث عُقدت عشرات جلسات مجلس الوزراء، وصدر عدد كبير من المراسيم والقرارات، ما يعكس عودة السلطة التنفيذية إلى ممارسة دورها الطبيعي بعد سنوات من الشلل.

وأكد أن رئيس الجمهورية ليس طرفًا سياسيًا بل حكم، وأن ممارسة الصلاحيات لا تعني الصدام بل إدارة التوازنات بما يخدم المصلحة الوطنية، وهو ما انعكس تعاونًا واضحًا بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة مجلس النواب.

 

أمن فاعل وتنسيق غير مسبوق

 

أمنيًا، أشار الرئيس إلى تحسن ملحوظ في أداء الأجهزة الأمنية، نتيجة التعاون والتنسيق غير المسبوق بينها، معتبرًا أن هذا التكامل أعطى نتائج ملموسة على الأرض في مكافحة الجريمة والمخدرات وضبط الحدود.

وأشاد بالدور الذي تؤديه الأجهزة الأمنية والقضاء معًا، معتبرًا أن هذا التزاوج هو المدخل الحقيقي لمحاربة الفساد وترسيخ الاستقرار، ومؤكدًا أن فرض الأمن هو شرط أساسي للنهوض الاقتصادي.

 

الاقتصاد: بداية مسار تعافٍ

 

اقتصاديًا، أقرّ عون بحجم التركة الثقيلة التي ورثها العهد، لكنه شدد على أن الأمور وُضعت على السكة الصحيحة. وأشار إلى تسجيل مؤشرات إيجابية، من تحسن في النمو الاقتصادي، وارتفاع إيرادات الدولة، وتحقيق فائض أولي، إضافة إلى تحسن احتياطات مصرف لبنان.

وأكد أن هذه النتائج لم تأتِ نتيجة حلول سحرية، بل ثمرة استقرار سياسي وأمني نسبي، وإصلاحات بدأت تُنفذ، وقوانين أُقرت لتنظيم القطاع المصرفي والمالي، مع الإقرار بأن المسار لا يزال طويلًا ويحتاج إلى تطوير مستمر.

 

مكافحة الفساد والحوكمة

 

في ملف مكافحة الفساد، شدد الرئيس على أن الفساد لا طائفة له ولا لون سياسي، وأن القضاء بدأ يستعيد دوره، مع فتح ملفات كانت تُعتبر سابقًا من المحرمات. وأكد أن الرقمنة والحوكمة تشكلان مدخلًا أساسيًا للحد من الفساد، عبر تقليص الاحتكاك المباشر بين المواطن والإدارة.

 

علاقات خارجية متوازنة وعودة الثقة

 

خارجيًا، أكد عون أن لبنان انتهج سياسة انفتاح متوازن مع الدول العربية والمجتمع الدولي، قائمة على احترام السيادة وعدم الدخول في محاور. وأشار إلى تحسن العلاقات العربية، وعودة الحركة السياحية والاستثمارية تدريجيًا، معتبرًا أن الثقة تُبنى بالأفعال لا بالشعارات.

كما تحدث عن حوار جدي وندّي مع سوريا لمعالجة الملفات العالقة، وعن مسار تفاوضي دبلوماسي لمعالجة النزاع مع إسرائيل، مؤكدًا أن السلام العادل الذي يعيد الحقوق هو الهدف النهائي.

 

رئيس بلا طموح سياسي

من النقاط اللافتة في حديث الرئيس، تأكيده المتكرر أنه لا يسعى إلى حزب سياسي ولا إلى تشكيل كتلة نيابية، وأنه لا يطمح إلى أي دور سياسي بعد انتهاء ولايته. وشدد على أن هدفه الأساسي هو إجراء الانتخابات في مواعيدها الدستورية، وضمان شفافيتها، وتسليم البلاد إلى عهد جديد ضمن الأطر الدستورية.

تفاؤل مشروط بالمسؤولية المشتركة

في ختام حصاد السنة الأولى، عبّر الرئيس جوزاف عون عن تفاؤله بالمستقبل، معتبرًا أن الشعب اللبناني يشكل عنصر القوة الأساسي، وأن أي استقرار سياسي وأمني سيترجم فورًا استثمارًا ونموًا.

وأكد أن السنة المقبلة يجب أن تكون أفضل، لكن المسؤولية لا تقع على عاتق الرئاسة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بين السلطة السياسية والمجتمع، مشددًا على أن الدولة عادت إلى السكة، وأن الحفاظ على هذا المسار يتطلب التزامًا جماعيًا بإعلاء المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.