لا يمكن إدراج الغارات الجوية الإسرائيلية التي استهدفت جنوب لبنان، اليوم، في خانة التصعيد الروتيني أو الرسائل العسكرية التقليدية. فحجم النيران، وتوقيت الضربات، وطبيعة الأهداف، كفيلة بوضع ما جرى تحت عنوان واحد: تصعيد مدروس يتجاوز منطق الردع إلى اختبار حدود جديدة على الجبهة الجنوبية.

 

في بلدة كفرحتى في قضاء صيدا، نفّذ الطيران الحربي الإسرائيلي ما وصفه شهود عيان بـ«حزام ناري» كامل الأركان، عبر أكثر من عشر غارات متتالية على موقع واحد، في مشهد أعاد إلى الأذهان تكتيكات الضرب المكثف التي تُستخدم عادة عشية توسّع العمليات. الدمار الواسع الذي طال الأبنية المستهدفة ومحيطها لم يكن نتيجة ضربة واحدة، بل نتاج قرار واضح بتدمير كامل للمنطقة المصنّفة هدفًا.

 

اللافت في هذا التصعيد لا يقتصر على كثافة الغارات، بل يتعداه إلى التسلسل العملياتي: إنذار مسبق من الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، غارة تحذيرية نفذتها طائرة مسيّرة، ثم ضربة جوية مباشرة بالطيران الحربي. هذا النمط يشير إلى عملية مخططة بعناية، هدفها ليس فقط إصابة موقع محدد، بل فرض معادلة نفسية وأمنية على السكان والسلطات اللبنانية على حد سواء.

 

الجيش الإسرائيلي، عبر المتحدث باسمه أفيخاي أدرعي، برر الاستهداف بزعم استخدام «حزب الله» للمجمع السكني لأغراض عسكرية. غير أن طبيعة المكان المستهدف – مجمع سكني يضم أكثر من عشرة مبانٍ – فتحت الباب أمام تساؤلات خطيرة حول حدود الاستهداف وقواعد الاشتباك، خاصة مع مناشدة الأهالي الجيش اللبناني والقوى الأمنية التدخل العاجل للكشف على الموقع وحماية المدنيين.

 

التصعيد لم يقف عند كفرحتى. في عيتا الشعب، ألقت مسيّرة إسرائيلية قنبلة صوتية في رسالة ميدانية واضحة، بينما توالت الغارات بين بصليا وسنيا في منطقة جزين، إضافة إلى غارة على منطقة تبنا لم ينفجر صاروخها. أما في إقليم التفاح، فقد استُهدفت منطقة البريج عند أطراف بلدة جباع للمرة الثالثة خلال أقل من ساعة، مع أكثر من عشر غارات متتالية، في مؤشر إضافي على نية استنزاف مناطق محددة بالنار المكثفة.

 

ما يجري جنوبًا لا يبدو منفصلًا عن المشهد الإقليمي الأوسع. فالتصعيد المتزامن على عدة محاور، واستخدام تكتيكات “الحزام الناري”، والاقتراب المتزايد من التجمعات السكنية، كلها عناصر توحي بأن إسرائيل ترفع سقف الضغط العسكري في مرحلة دقيقة، إما لفرض وقائع جديدة على الأرض، أو لتهيئة المسرح لمواجهة أوسع إذا فشلت المسارات السياسية.

 

 

الغارات، إذاً، ليست حدثًا عابرًا ولا ردًا موضعيًا. إنها رسالة بالنار، موجهة إلى أكثر من جهة، مفادها أن الجنوب اللبناني بات مجددًا ساحة اختبار مفتوحة، في ظل هشاشة التوازن القائم، ومخاوف حقيقية من انزلاق الوضع نحو تصعيد لا يمكن ضبط إيقاعه بسهولة.