في تصعيد غير مسبوق في لهجته وخطورته، حذّر المدعي العام الإيراني محمد موحدي آزاد من أن أي شخص يشارك في الاحتجاجات الجارية سيُصنَّف “عدوًا لله”، وهي من أخطر التهم في القانون الإيراني، وتصل عقوبتها إلى الإعدام، في خطوة "اعتبرها مراقبون "إعلانًا صريحًا عن انتقال النظام إلى مرحلة القمع الأقصى.
تصريحات موحدي آزاد، التي بثّها التلفزيون الرسمي، لم تأتِ معزولة، بل تزامنت مع مواقف متشددة صدرت عن كبار أركان السلطة، وعلى رأسهم المرشد الأعلى علي خامنئي، ما يعكس توجّهًا رسميًا متكاملًا نحو شرعنة العنف الأمني والقضائي في مواجهة الاحتجاجات المتواصلة منذ نحو أسبوعين.
سيف “المحاربة” المسلّط
تهمة “العداء لله” أو المحاربة ليست جديدة في النظام القضائي الإيراني. فهي منصوص عليها في قانون العقوبات الإسلامي منذ ما بعد ثورة 1979، وتُستخدم عادة في القضايا ذات الطابع الأمني والسياسي، خصوصًا ضد المعارضين والنشطاء، وقد استُخدمت بكثافة خلال إعدامات الثمانينيات، واحتجاجات 2009 (الحركة الخضراء)، واحتجاجات 2019 الدموية، إلى جانب حراك 2022 بعد مقتل مهسا أميني
في كل تلك المحطات، شكّلت هذه التهمة أداة قانونية لتحويل الاحتجاج من فعل سياسي إلى "جريمة دينية وجودية"، تتيح للنظام تنفيذ أحكام إعدام سريعة تحت غطاء “حماية الإسلام والنظام”.
احتجاجات تتجاوز الاقتصاد وتكسر منطق الخوف
الاحتجاجات الحالية اندلعت على خلفية تدهور اقتصادي غير مسبوق، مع ارتفاع معدلات التضخم والبطالة وانهيار القدرة الشرائية، لكنها سرعان ما تحولت إلى "تحدٍّ سياسي مباشر" للسلطة، في مدن كبرى مثل طهران ومشهد وأصفهان وتبريز.
ورغم القيود المشددة على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، استمر الحراك، ما دفع السلطات إلى توسيع دائرة الاعتقالات واستخدام خطاب تخويني ـ ديني يهدف إلى كسر زخم الشارع وإعادة إنتاج الخوف.
الرواية الأمنية: “مؤامرة خارجية” بنسخة مكرّرة
في السياق نفسه، أعلن قائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان اعتقال “المتسببين الرئيسيين بأعمال الشغب”، متهماً إياهم بالارتباط بالولايات المتحدة و”الكيان الصهيوني”، وواصفًا تحركاتهم بأنها “خيانة للوطن”.
وأشار رادان إلى أن تقارير الطب الشرعي تُظهر أن عددًا من القتلى قضوا طعنًا، معتبرًا ذلك دليلاً على تورط “عناصر مدربة”، في رواية تكرّرت في كل موجات الاحتجاج السابقة، حيث يُعاد إنتاج خطاب “الاختراق الخارجي” لتبرير القمع الداخلي.
أرقام متضاربة وواقع دامٍ
في المقابل، وثّقت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان اعتقال أكثر من 2600 شخص، مؤكدة استمرار التظاهرات في طهران ومشهد رغم انقطاع الإنترنت، بينما يصف الإعلام الرسمي المحتجين بـ”الإرهابيين”.
من الاحتجاج إلى المواجهة الوجودية
يرى محللون أن اللجوء إلى توصيف المحتجين بـ“أعداء الله” يعكس حالة هلع داخل بنية النظام، إذ لم يعد الخطاب الأمني التقليدي كافيًا لاحتواء الشارع، ما دفع السلطة إلى استحضار أقسى أدواتها الدينية والقانونية.
هذا التصعيد يضع إيران أمام سيناريو بالغ الخطورة:
إما إخضاع الشارع عبر الردع الدموي، أو الدخول في مواجهة مفتوحة قد تعمّق الشرخ بين النظام والمجتمع، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية، والتحذيرات الأميركية، والتلويح بخيارات تصعيدية في حال استمرار الإعدامات والانتهاكات.
في المحصلة، لا تبدو معركة النظام اليوم مع الاحتجاجات معركة أمنية فحسب، بل "صراع بقاء" تُستخدم فيه كل الأدوات: الدين، القضاء، الإعلام، والسلاح، ما يجعل الأسابيع المقبلة مفصلية في تاريخ الجمهورية الإسلامية، وربما الأخطر منذ تأسيسها.