سقط عشرات القتلى، بينهم أطفال، وأُصيب المئات، في موجة احتجاجات غير مسبوقة اجتاحت إيران منذ أيام، فيما اعتُقل الآلاف وسط حملة أمنية مشددة شملت قطع الإنترنت في معظم المدن والبلدات، ضمن تصعيد مستمر منذ احتجاجات عام 2022.

ما يجري اليوم، لا يقتصر على أزمة اجتماعية أو اقتصادية فحسب، بل يعكس تصدعاً داخلياً غير مسبوق، وتحديات كبرى تواجه النظام الإيراني في توازناته الداخلية والخارجية.

من الأزمة الاقتصادية إلى المطالب السياسية

انطلقت الاحتجاجات على خلفية انهيار حاد في قيمة العملة المحلية، لكن سرعان ما اتخذت الطابع السياسي، مع شعارات تطالب بإصلاحات جذرية وإنهاء حكم النظام. خرجت مظاهرات متزامنة في مدن كبرى مثل طهران ومشهد وتبريز وقم، بينما رُصدت هتافات مناوئة للقيادة في أحياء ثرية بالعاصمة، بما يعكس امتداد الغضب عبر مختلف الشرائح الاجتماعية.

وأشار ناشطون ومنظمات حقوقية إلى أن قطع الإنترنت والتعتيم الرقمي يهدف إلى إخفاء حجم الانتهاكات وعرقلة توثيقها، محاولات تأتي ضمن استراتيجية النظام للسيطرة على الرواية الرسمية وتقليل الرصد الدولي لما يجري على الأرض.

زيارة عراقجي إلى بيروت: رسائل ضمنية في زمن الأزمات

تزامن هذا التصعيد الداخلي مع زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت، في توقيت وصفه مراقبون بأنه شديد الحساسية. فالسياق الحالي يعكس محاولة طهران التوفيق بين الضغوط الداخلية، الناجمة عن الغضب الشعبي، والضغوط الإقليمية والدولية، خصوصاً في لبنان حيث يمر حزب الله بمرحلة دقيقة.

خلال الزيارة، حمّل عراقجي الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية ما وصفه بـ“التدخل والتحريض”، في حين اعتبر الإعلام الرسمي التظاهرات “أعمال شغب” تقف خلفها “جهات معادية”. موازاةً مع ذلك، ردت واشنطن بوصف تصريحات النظام بأنها “محاولة للهروب من الواقع”، مؤكدة أن إيران تواجه أزمة سياسية واقتصادية حقيقية لا يمكن تجاهلها.

القمع المستمر ورسائل النظام الداخلية

في الداخل، وصف المرشد الأعلى علي خامنئي المتظاهرين بـ”المخربين”، متهمًا إياهم بالعمل لصالح أجندات خارجية، فيما شدد رئيس السلطة القضائية على أن التعامل مع المحتجين سيكون “حاسماً”، في رسالة تهدف لتثبيت النظام وإظهار قدرة الأجهزة الأمنية على ضبط الميدان.

على الجانب الآخر، دعا رضا بهلوي، نجل شاه إيران الراحل، إلى استمرار التظاهر، وسط هتافات مؤيدة له في بعض المدن، في مؤشر إلى أن الحراك الشعبي لا يزال يفتقر إلى قيادة موحدة لكنه يحتفظ بقدرة على التأثير الرمزي والسياسي.

ردود فعل دولية ومأزق إقليمي متشابك

أعربت فرنسا وألمانيا وبريطانيا عن “قلق بالغ” حيال استخدام القوة ضد المتظاهرين، داعية إيران إلى احترام حرية التعبير والتجمع السلمي، فيما يراقب المراقبون تصاعد التوتر الداخلي مع تداعيات محتملة على السياسات الإقليمية، خصوصاً مع استمرار إيران في تحريك أدوات نفوذها خارج حدودها.

يرى محللون أن تزامن الاحتجاجات مع الحراك الدبلوماسي الإيراني في المنطقة يعكس مأزقًا مزدوجًا للنظام: داخلي متصاعد بفعل الغضب الشعبي والتدهور الاقتصادي، وإقليمي بسبب الضغوط الدولية والتوترات في لبنان وسوريا. الأيام المقبلة تبدو مفتوحة على سيناريوهات متعددة، من تصعيد داخلي إلى تدخلات خارجية محسوبة، ما يجعل إيران على صفيح ساخن لم تشهد مثله منذ سنوات.