يتزامن التصعيد الإسرائيلي الأخير على جنوب لبنان مع زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت، في مشهد يعكس تداخل المسارات العسكرية والدبلوماسية في مرحلة دقيقة يمر بها لبنان، على وقع تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة، وسجال سياسي داخلي وخارجي حول دور «حزب الله» ومستقبل سلاحه.
وجاءت الغارات الإسرائيلية المكثفة فيما يحقق الجيش اللبناني تقدماً في تنفيذ المرحلة الأولى من خطته الأمنية جنوب نهر الليطاني، وهو ما اعتبره خبراء محاولة إسرائيلية مباشرة لعرقلة هذا المسار وفرض وقائع ميدانية جديدة.
فهرس المحتوى [إظهار]
الغارات كأداة ضغط ميداني
وأكد مراقبون، أن الغارات الإسرائيلية الأخيرة تمثل تصعيداً مدروساً يهدف إلى إعاقة تقدم الجيش اللبناني وحرمان الدولة من ترجمة إنجازاتها الأمنية إلى مكاسب سيادية.
، في تصريحات لموقع «كواليس»، أكد مختصون أن إسرائيل تلجأ إلى التصعيد كلما حققت الدولة اللبنانية خطوات جدية في بسط سلطتها، مشيرين إلى أن ما أنجزه الجيش في المرحلة الأولى جنوب الليطاني يُعدّ إنجازاً ملموساً رغم محدودية الإمكانات.
وكان الجيش اللبناني تمكن من إخلاء أنفاق ومصادرة مخازن أسلحة تابعة لـ«حزب الله» وفصائل فلسطينية، وهو ما تسعى تل أبيب إلى تقويضه، أو توظيفه لاحقاً لتوسيع مطلب نزع السلاح ليشمل كامل الجغرافيا اللبنانية، متجاوزة بذلك حدود القرار الدولي 1701.
رسالة إسرائيل: القدرة على الضرب في أي وقت
في السياق ذاته، رأى مراقبون أن الرسالة الأساسية للغارات الإسرائيلية تتمثل في التأكيد على قدرة تل أبيب على استهداف أي موقع في أي وقت، بذريعة حماية أمنها القومي، وأن استمرار الاعتداءات الجوية والبرية قد يضع الجيش اللبناني أمام تحديات جسيمة، في ظل الفارق الكبير في موازين القوى العسكرية.
يذكر أن الضغط الإسرائيلي لا يقتصر على البعد العسكري، بل يهدف إلى انتزاع مكاسب سياسية وأمنية تتجاوز التفاهمات القائمة، في اختبار مباشر لقدرة الدولة اللبنانية على تثبيت سيادتها في مناطق لطالما شكّلت ساحات نفوذ للفصائل المسلحة.
وفي السياق ذاته أعتبر مراقبون أن إعلان الجيش اللبناني بسط سيطرته على منطقة جنوب الليطاني يشكل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على حصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية.
وكان الجيش أنجز المرحلة الأولى من خطته المؤلفة من خمس مراحل، معلناً عدم وجود سلاح غير شرعي ضمن نطاق انتشار قوات «اليونيفيل» بعمق 30 كيلومتراً، باستثناء خمس نقاط حدودية لا تزال تحت الاحتلال الإسرائيلي.
بين نزع السلاح وحصره
ويرى مختصون ومراقبون أن الجدل الدائر حول ملف السلاح يفرض تمييزاً دقيقاً بين مفهومي «نزع السلاح» و«حصر السلاح»، حيث يُنظر إلى الحصر بوصفه مساراً تقنياً ودبلوماسياً يهدف إلى جعل الدولة المرجعية الوحيدة لقرار الحرب والسلم، في ظل إقرار دولي بصعوبة فرض نزع السلاح بالقوة. ووفق هذه المقاربة، يجري التعويل على أدوات الدبلوماسية والمرونة السياسية لبلورة «استراتيجية دفاعية» تدمج القدرات العسكرية ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية.
وفي هذا السياق، يلفت مراقبون إلى أن الرهان الأساسي في المرحلة المقبلة ينصب على الدعم الدولي المتزايد للجيش اللبناني، ولا سيما مع التحضيرات الجارية لعقد مؤتمر دولي لدعمه في باريس خلال فبراير المقبل، إلى جانب مؤشرات على استمرار المساعدات المالية والعسكرية، بهدف تمكين المؤسسة العسكرية من الاضطلاع بمهامها الأمنية في الجنوب، بوصفها بديلاً عن واقع السلاح خارج سلطة الدولة.
كما يشير متابعون إلى الدور المصري الذي يوصف بالمحوري والمستدام في دعم الدولة اللبنانية، سواء عبر التحرك السياسي لاحتواء التصعيد وتبريد الجبهة الجنوبية، أو من خلال المسارات الاقتصادية، وفي مقدمتها البحث في إعادة إحياء «خط الغاز العربي» كأحد الخيارات المطروحة للتخفيف من أزمة الطاقة الخانقة التي يعاني منها لبنان.زيارة عراقجي في قلب المشهد
ويأتي كل ذلك في ظل زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بيروت، حيث دار سجال سياسي صريح بينه وبين نظيره اللبناني يوسف رجي حول دعم طهران لـ«حزب الله» وسلاحه. ففي وقت تؤكد فيه إيران دعم الحزب «كمجموعة مقاومة»، تشدد الدولة اللبنانية على أن الدفاع عن البلاد وقرار الحرب والسلم يجب أن يكونا حصراً بيدها.
وتكتسب هذه الزيارة دلالات إضافية مع استمرار الغارات الإسرائيلية، وتعثر عمل لجنة «الميكانيزم»، وتقدم الجيش في تنفيذ خطته، ما يجعل بيروت اليوم ساحة تقاطع بين ضغوط عسكرية إسرائيلية، ومساعٍ دولية لدعم الدولة، ومحاولات إيرانية للحفاظ على نفوذها في مرحلة إقليمية تتسم بإعادة رسم التوازنات.