في لحظة إقليمية مشبعة بالضغوط والرسائل المتقاطعة، لم يأتِ الاتصال الهاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بوصفه مجرّد تواصل دبلوماسي تقليدي، بل بدا وكأنه إشارة سياسية محسوبة في توقيت لا يحتمل الصدفة، وسط تصعيد إسرائيلي متدرّج، ومسار داخلي لبناني بالغ الحساسية عنوانه: حصر السلاح وبسط سيادة الدولة.
فبينما تؤكد القاهرة دعمها الثابت لـ«سيادة لبنان ووحدة وسلامة أراضيه»، وتُشيد بإنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح جنوب نهر الليطاني، كانت الطائرات الإسرائيلية في الوقت نفسه تُكثّف غاراتها في البقاع الغربي وجنوب لبنان، في مشهد يعكس تناقضًا صارخًا بين منطق الدولة ومنطق فرض الوقائع بالقوة.
إعلان الحكومة اللبنانية إنجاز المرحلة الأولى من حصر السلاح جنوب الليطاني لم يكن تفصيلًا إداريًا، بل محطة سياسية مفصلية، تعيد طرح السؤال القديم–الجديد: هل يُسمح للدولة اللبنانية باستعادة دورها السيادي فعلًا؟ أم أن أي خطوة في هذا الاتجاه ستُواجَه بمحاولات إرباك وتعطيل؟
فالتزام بيروت بخطة حصر السلاح، بالتوازي مع تأكيد الجيش اللبناني إنهاء المرحلة الثانية من عملياته جنوب الليطاني، وضع إسرائيل أمام معادلة غير مريحة: دولة تحاول الإمساك بزمام الجنوب… بلا ذرائع جاهزة.
وهنا، يقرأ مراقبون توقيت الغارات الإسرائيلية الأخيرة – من سحمر إلى مشغرة – بوصفها محاولة استباقية لإعادة خلط الأوراق، أو رسالة مفادها أن القرار الميداني لا يزال خارج منطق الدولة اللبنانية، مهما تبدّلت الوقائع السياسية.
في هذا السياق، تبدو الرسائل المصرية ذات دلالات مزدوجة. فالتشديد على التنفيذ «الكامل وغير الانتقائي» للقرار 1701، والمطالبة بانسحاب إسرائيلي «فوري وغير منقوص»، لا تنفصل عن قلق عربي أوسع من انزلاق لبنان إلى مواجهة تُفرض عليه، في لحظة إقليمية شديدة الاشتعال، من إيران إلى غزة، ومن البحر الأحمر إلى جنوب لبنان.
القاهرة، التي خبرت تاريخيًا هشاشة التوازن اللبناني، تدرك أن أي انهيار أمني واسع في الجنوب لن يبقى محصورًا داخل الحدود، بل سيفتح الباب أمام فوضى إقليمية مضاعفة، خصوصًا إذا تزامن مع سيناريوهات تصعيد أوسع ضد إيران وحلفائها.
بالنسبة لحكومة نواف سلام، فإن ما يجري يشكّل اختبارًا مزدوجًا: اختبار القدرة على المضي في مسار بسط السيادة دون تفجير الداخل، واختبار القدرة على حماية هذا المسار من الخارج، في ظل عجز المجتمع الدولي عن فرض التزامات واضحة على إسرائيل.
فبين الترحيب الدولي بحصر السلاح، والصمت العملي حيال الخروقات الإسرائيلية، تبدو الدولة اللبنانية كمن يُطالَب بالسير في حقل ألغام سياسي وأمني، حيث كل خطوة إلى الأمام تُقابل بمحاولة شدّ إلى الخلف.
لماذا يتزامن الضغط العسكري الإسرائيلي مع بدء ترجمة خطة حصر السلاح؟ ولماذا تتكثف الاتصالات العربية في هذا التوقيت تحديدًا؟ الجواب، وفق مقاربة تحليلية، يكمن في تقاطع ثلاثة مسارات: مشهد إقليمي متوتر مع تصاعد التهديدات الأميركية لإيران. محاولة لبنانية نادرة لإعادة تعريف الجنوب كمساحة سيادية للدولة. خشية إسرائيلية من خسارة ذريعة «الفراغ الأمني» التي لطالما استخدمتها لتبرير ضرباتها.
ما بين دعم عربي معلن، وضغوط دولية خجولة، وتصعيد إسرائيلي متواصل، يقف لبنان أمام لحظة مفصلية: إما تثبيت مسار الدولة رغم الكلفة، أو الانزلاق مجددًا إلى منطق الرسائل النارية المتبادلة على حساب الاستقرار.
وفي هذا المشهد، لا يبدو الاتصال المصري مجرد مجاملة دبلوماسية، بل تحذيرًا مبطنًا: أن استهداف لبنان في هذه المرحلة، ليس اعتداءً على دولة هشّة فحسب، بل مقامرة بإشعال جبهة إضافية في إقليم لم يعد يحتمل حريقًا جديدًا.