في لحظة إقليمية حرجة، وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، اليوم الخميس، إلى العاصمة اللبنانية بيروت، على رأس وفد اقتصادي، في زيارة تتقاطع فيها الضغوط الداخلية التي تواجهها طهران مع تحولات عميقة تشهدها الساحة اللبنانية، وتغيّرات استراتيجية تعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.
جاءت الزيارة في الوقت الذي تشهد فيه شوارع طهران مظاهرات غير مسبوقة، واحتقانًا اقتصاديًا متصاعدًا، تزامنت مع بدء الحكومة اللبنانية تنفيذ المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح بيد الدولة، في خطوة تُعدّ الأكثر حساسية منذ انتهاء الحرب الأخيرة بين “حزب الله” وإسرائيل، وما رافقها من خسائر بشرية ومادية غير مسبوقة.
بيروت تحبس أنفاسها وتراقب خطاب الدعم
حطّ عراقجي في مطار رفيق الحريري الدولي، حيث كان في استقباله ممثل رئيس مجلس النواب نبيه بري، الدكتور خليل حمدان، إلى جانب النائبين حسن عز الدين وحسين الحاج حسن، ومديرة المراسم في وزارة الخارجية السفيرة رلى نور الدين، والسفير الإيراني لدى لبنان مجتبى أماني.
ومنذ لحظة وصوله، شدد الوزير الإيراني على دعم بلاده “سيادة لبنان ووحدته الوطنية”، معلنًا عزمه إجراء مباحثات مع رئيس الجمهورية ورؤساء السلطات ووزير الخارجية، في إطار ما وصفه بـ”التشاور حول القضايا الإقليمية والعالمية”، في إشارة مباشرة إلى التصعيد الإسرائيلي، واتفاق وقف إطلاق النار الذي تتهم طهران تل أبيب بانتهاكه.
ووضعت المواجهة الطويلة بين إسرائيل و«حزب الله» أوزارها في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، بعد أكثر من عام من القتال المتدرّج الذي بدأ باشتباكات محدودة ثم اتّسع نطاقه، مع توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية أميركية، أعاد تثبيت خطوط الاشتباك وأدخل الجبهة اللبنانية في مرحلة جديدة من التهدئة الهشّة.
حصر السلاح… التحول الأخطر
تأتي زيارة عراقجي في وقت دخل فيه لبنان مرحلة متقدمة من تنفيذ خطة رسمية لحصر السلاح بيد الدولة، بدأت جنوب الليطاني، مع التمهيد للانتقال شماله، في مسار يحظى بدعم أميركي وأوروبي واضح، ويستند إلى تفاهمات وقف إطلاق النار الموقعة في تشرين الثاني 2024.
هذا التطور لا يمثّل مجرد إجراء أمني، بل يطال أحد الأعمدة الأساسية للنفوذ الإيراني في لبنان، إذ شكّل “حزب الله” منذ تأسيسه في ثمانينيات القرن الماضي، الذراع الأبرز لطهران في المشرق، وأداة ردع متقدمة في مواجهتها الطويلة مع إسرائيل.
وفي هذا السياق، صدرت تصريحات واضحة عن الأمين العام لـ«حزب الله» أكد فيها رفضه القاطع لفكرة تسليم السلاح، معتبراً أن أي محاولة لنزعه تمسّ جوهر “معادلة الردع” التي أرساها الحزب منذ عقود، في موقف عكس فجوة عميقة بين خطاب الدولة ومسار الحزب بعد الحرب.
وفي وقت لاحق، كشفت صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، في تقرير استقصائي، أن «حزب الله» يعمل حاليًا بشكل شبه كامل تحت الأرض، في تحول لافت فرضته نتائج الحرب الأخيرة والضربات الإسرائيلية الدقيقة. وأشار التقرير إلى أن الحزب باشر إعادة بناء هيكله القيادي وقوته العسكرية بسرية تامة، خصوصًا بعد مرور عام على عملية «البيجر» الإسرائيلية، التي شكّلت نقطة تحوّل في أساليب عمله التنظيمية والأمنية.
وبحسب الصحيفة، فإن الحزب، رغم إظهاره موافقة شكلية على مسار نزع السلاح، يواصل عمليًا مسارًا مغايرًا في معاقله الأخرى، حيث تُدار عملية إعادة الترميم بعيدًا عن الأضواء، في ظل رقابة مشددة وتكتيكات أمنية جديدة.
في المقابل، عبّرت إسرائيل عن تشكيكها بفاعلية الإجراءات اللبنانية. وكتبت صحيفة «يديعوت أحرونوت» في مقال بعنوان «الخدعة اللبنانية»، أن إعلان الجيش اللبناني تجريد جنوب البلاد من سلاح «حزب الله» لا يعكس الواقع الميداني. ووفق الصحيفة، رصد الجيش الإسرائيلي نمطًا متكررًا يتمثل في وصول الجيش اللبناني إلى المواقع المحددة، ثم مصادرة السلاح وتخزينه في مستودعات، بدل تدميره بالكامل، باعتباره «حلًا مرحليًا» لتفادي الصدام مع الحزب.
وأضافت الصحيفة أن هذه المعطيات تعزز القناعة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأن أي عملية عسكرية جديدة في لبنان ليست سوى مسألة وقت، في ظل ما تعتبره تل أبيب فجوة بين التعهدات اللبنانية والتنفيذ الفعلي على الأرض.
حزب الله بعد الحرب
خرج “حزب الله” من الحرب الأخيرة مع إسرائيل مثقلاً بخسائر كبيرة، ليس فقط على المستوى العسكري، بل على الصعيدين المالي واللوجستي. فقد أدت العقوبات الأميركية والأوروبية، والتشديد على النظام المصرفي اللبناني، إلى تقليص قنوات التمويل، فيما تسببت الحرب بتآكل جزء من بنيته التحتية، وتراجع قدرته على المناورة الميدانية.
وتشير تقديرات سياسية إلى أن الحزب يواجه اليوم واقعًا مختلفًا عن المراحل السابقة، حيث بات يعمل في بيئة داخلية أكثر تشددًا، ودولية أكثر رقابة، ما يجعل أي دعم خارجي، سياسيًا كان أم اقتصاديًا، موضع متابعة دقيقة.
إيران تحت الضغط المتعدد
لا تنفصل زيارة بيروت عن المشهد الداخلي الإيراني، حيث تواجه الحكومة ضغوطًا اقتصادية واجتماعية متراكمة، في ظل عقوبات مستمرة، وتراجع القدرة على امتصاص الغضب الشعبي. وفي الخارج، تتصاعد التهديدات الإسرائيلية باستهداف البرنامج الصاروخي الإيراني، في سياق مواجهة باتت أقرب إلى العلن.
وفي هذا الإطار، حرص عراقجي على التأكيد أن بلاده “لا ترغب في الحرب لكنها جاهزة لها”، مكرّرًا استعداد طهران للتفاوض مع الولايات المتحدة “على أساس الاحترام المتبادل”، في خطاب يعكس محاولة الجمع بين الردع والانفتاح السياسي.
أربعة عقود من المواجهة غير المباشرة
منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، دخلت إيران وإسرائيل في صراع استراتيجي طويل، اتخذ في معظمه طابع “حرب الظل”، عبر الاغتيالات، والهجمات السيبرانية، وضرب الحلفاء، من لبنان إلى سوريا وغزة.
وقد شكّل لبنان، منذ الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، إحدى الساحات المركزية لهذا الصراع، مع تأسيس “حزب الله” بدعم إيراني مباشر، وتحوله لاحقًا إلى قوة عسكرية إقليمية لعبت دورًا محوريًا في معادلات الردع.
إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولًا نوعيًا، مع اتساع رقعة الاشتباك، وارتفاع منسوب الضربات المباشرة، ما جعل المنطقة بأسرها أقرب إلى حافة مواجهة شاملة.
سقوط الحلفاء وتبدّل الموازين
إقليميًا، تزامنت زيارة عراقجي مع سقوط نظام بشار الأسد، الحليف الاستراتيجي الأهم لإيران في المنطقة، وهو تطور شكّل ضربة قاسية لمحور “المقاومة”، إذ كانت سوريا تشكّل العمق الجغرافي والسياسي الرابط بين طهران وبيروت.
يذكر أن تقارير كشفت عن إجراء مباحثات مهمة جمعت وفدين إسرائيلي وسوري في باريس بوساطة أميركية، وهو ما شكل مؤشرات على تحوّل إقليمي يُعيد ترتيب الأولويات في المنطقة، ويُبعد دمشق تدريجيًا عن دائرة المواجهة المفتوحة مع إسرائيل.
طهران تحاول تثبيت موطئ قدمها الأخير
في السياق التاريخي الأوسع، تبدو زيارة وزير الخارجية الإيراني إلى بيروت محاولة لإعادة تثبيت الحضور الإيراني في ساحة لطالما شكّلت ركيزة أساسية لاستراتيجيتها الإقليمية. فمنذ أربعة عقود، اعتمدت طهران على شبكة تحالفات عسكرية وسياسية لتعويض اختلال ميزان القوى مع خصومها، وكان لبنان في صلب هذه المعادلة.
اليوم، ومع تغيّر موازين القوى، وتراجع بعض الحلفاء، وتشديد الضغوط الدولية، تجد إيران نفسها أمام واقع جديد، تحاول التعامل معه عبر الدبلوماسية بقدر ما فعلت سابقًا عبر السلاح. وبين دولة لبنانية تسعى لتكريس سيادتها، ومحور إقليمي يعيد حساباته، تندرج زيارة عراقجي كحلقة في مسار تاريخي طويل، عنوانه الصراع على النفوذ، وحدوده، وكلفته في مرحلة ما بعد الحروب الكبرى.