لم تكن جلسة مجلس الوزراء التي انعقدت اليوم في قصر بعبدا جلسة عادية، لا في توقيتها ولا في الملفات التي وُضعت على طاولتها. فعلى امتداد ساعات النقاش، بدا واضحًا أنّ الحكومة تحاول تثبيت صورة متكاملة عن نفسها: سلطة منتجة، منسجمة، وقادرة على الإمساك بالملفات الكبرى، من التربية إلى الأمن، ومن إعادة الإعمار إلى حصر السلاح.

في الشكل، الجلسة كانت ناجحة. أُقرّ معظم بنود جدول الأعمال، وسُجّلت قوانين وقرارات يمكن تصنيفها ضمن خانة “الإصلاحات”. لكن في الجوهر، ما جرى اليوم يعكس معادلة أكثر تعقيدًا: إدارة دقيقة للتوازنات، وتدوير للزوايا، وتأجيل محسوب للأسئلة الأصعب.

منذ اللحظة الأولى، حرص رئيس الجمهورية جوزاف عون على تثبيت خطاب الإنجازات. تهنئة الوزراء، الإشادة بما تحقق خلال أقل من عام، والتأكيد أنّ “العالم يتكل على لبنان”، كلها رسائل تتجاوز الإطار البروتوكولي. هو خطاب يؤسّس للمرحلة المقبلة، ويقدّم العهد كمرجعية استقرار في بلد أنهكته الفوضى.

رئيس الحكومة نواف سلام سار في الاتجاه نفسه، لكن بنبرة عملية أكثر. إعادة الإعمار، المنهجية، الآليات، وسرعة الإقرار… عناوين تهدف إلى طمأنة الداخل والخارج بأن الحكومة لا تكتفي بالكلام، بل تعمل على تحويل الملفات الثقيلة إلى مسارات تنفيذية، ولو بالتقسيط.

في المقابل، شكّلت الملفات التربوية المساحة “الأسهل” في الجلسة. إقرار قانون تنظيم تعيين أفراد الهيئة التعليمية، وتسوية أوضاع مئات المعلّمين، قُدّم على أنه استثمار في مستقبل التعليم. وهو بالفعل كذلك، لكنه أيضًا قرار منخفض الكلفة سياسيًا، يحقق إجماعًا نادرًا في مجلس اعتاد الانقسام.

أما الملف الأكثر حساسية، فكان — كالمتوقع — ملف حصر السلاح. عرض قائد الجيش، الإشادة بالجهود، والتشديد على الاستمرار بالخطة، كلها عناصر تعكس دعمًا سياسيًا واضحًا للمؤسسة العسكرية. لكن هذا الدعم، وإن بدا صلبًا في البيانات، لا يزال محكومًا بسقف الواقع.

جنوب الليطاني أُنجز، أو كاد. شمال الليطاني قيد التقييم. والعبارات المستخدمة — “احتواء”، “منع استخدام”، “منع نقل” — ليست تفصيلًا لغويًا، بل توصيف دقيق لمرحلة انتقالية، تحاول الدولة فيها توسيع سلطتها من دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة.

وهنا، يظهر التناقض الصامت داخل الحكومة. فبين من يطالب بجداول زمنية واضحة، ومن يربط أي تقدم بانسحاب إسرائيلي كامل، وبين من يكرر التمسك بالخطة من دون استباق النتائج، تبدو السلطة التنفيذية وكأنها تمشي على حبل مشدود، تحسب كل خطوة بدقة.

الجيش اللبناني حاضر بقوة في المشهد، سياسيًا وأمنيًا واجتماعيًا. يُطلب منه تنفيذ خطة سيادية كبرى، في ظل نقص الدعم، واستمرار الاحتلال، وتباين المواقف الداخلية، ووجود طرف أساسي هو حزب الله لا يُخفي مقاربته المختلفة لمسألة شمال نهر الليطاني.

الجلسة، في خلاصتها، لم تحسم الملفات الكبرى، لكنها أعادت ترتيبها. لم تُجب عن كل الأسئلة، لكنها حدّدت من يديرها. هي جلسة تثبيت مسار أكثر منها جلسة قرارات نهائية.

السؤال لم يعد: ماذا أقرّ مجلس الوزراء اليوم؟ بل: هل ما أُقرّ هو بداية حلول فعلية، أم مجرّد إدارة ذكية للوقت السياسي بانتظار تسويات أكبر لم تنضج بعد؟

وحتى ذلك الحين، تبقى الحكومة بين صورتين: صورة الإنجاز في البيانات، وصورة الاختبار الحقيقي على الأرض.