في لحظة مفصلية تُعيد رسم خرائط النفوذ، تتحول جنيف الثلاثاء المقبل من مدينة للهدوء السويسري إلى "غرفة عمليات دبلوماسية" تحت ضغط عسكري غير مسبوق. الأنظار تتجه إلى جولات مفاوضات حاسمة، توصف بأنها محاولة أخيرة لانتزاع فتيل الحرب الشاملة من الشرق الأوسط.
تأتي هذه الجولة وسط معادلة أمريكية جديدة، تضع البوارج الحربية على الطاولة قبل الملفات السياسية، في مشهد يعكس تصعيدًا مدروسًا لا يقل أهمية عن مسار التفاوض نفسه.
استنادًا إلى مصادر مطلعة تحدثت لـ "رويترز" و"أكسيوس"، أن ما يجري يتجاوز كونه جولة تفاوضية تقليدية. بل إنه تطبيق عملي لاستراتيجية "التفاوض تحت النار".
فيما يستعد الوفد الأمريكي، بقيادة جاريد كوشنر والمبعوث ستيف ويتكوف، لمواجهة الوفد الإيراني برئاسة عباس عراقجي، يرسم البيت الأبيض حدود التفاوض بالحديد والنار، عبر تحريك حاملة الطائرات يو إس إس جيرالد فورد.
في كواليس الدبلوماسية، يؤكد مراقبون أن الدور العُماني تجاوز الاستضافة إلى صياغة "وثيقة إنقاذ" أعدها وزير الخارجية بدر البوسعيدي. الوثيقة نُقلت بتفاصيلها الحساسة إلى أمين مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني.
وتحمل الرسالة الأمريكية جوهرًا واحدًا: "اتفاق شامل… أو مواجهة مفتوحة". يؤكد مراقبون أن توقيت تحريك "جيرالد فورد" لا يحمل دلالات عسكرية فحسب، بل رسائل سياسية مرعبة لصناع القرار في طهران. فالحاملة ارتبط اسمها مؤخرًا بتحول جيوسياسي جذري، بعد مشاركتها في العملية الأمريكية التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 يناير/كانون الثاني الماضي.
وعليه، فإن وصولها إلى الشرق الأوسط يُقرأ كتلميح بـ "تغيير النظام" أكثر من كونه إجراء ردعيًا تقليديًا. يشير محللون إلى أن التحركات الأمريكية توصف على أنها اعتماد إدارة ترمب سياسة "حافة الهاوية". فبينما يعبّر الرئيس الأمريكي علنًا عن ثقته بنجاح المفاوضات، يمنح البنتاغون الضوء الأخضر للاستعداد للسيناريو الأسوأ.
وفق تسريبات لمسؤولين أمريكيين، تتراوح الخيارات بين ضربات جراحية للمنشآت النووية وعمليات كوماندوز نوعية، في استنساخ لسيناريوهات سابقة ولكن بجرأة أعلى.
وقد عززت واشنطن هذه الرسائل بنشر قاذفات بي-2 الاستراتيجية وأكثر من 12 طائرة إف-15 إي، في خطوة يقرأها العسكريون كانتقال من "الردع الدفاعي" إلى "الاستعداد الهجومي المسبق".
في المقابل، تبدو طهران محاصرة بين ضغط عسكري أمريكي وتخريب استخباري إسرائيلي محتمل. فتصريحات أمين مجلس الدفاع الإيراني، علي شمخاني، التي وصف فيها القدرات الصاروخية بأنها "خط أحمر" غير قابل للتفاوض، تعكس خشية النظام من تجريده من أوراق القوة قبل أي مواجهة.
أما الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، فيرى أن "الطرق أُغلقت"، في إشارة إلى تعقيد الشروط الأمريكية–الإسرائيلية إلى حدّها الأقصى.
وفي سياق متصل، لا يمكن فصل الموقف الإسرائيلي عن مشهد جنيف المعقّد. بنيامين نتنياهو، ورغم مغادرته واشنطن دون "شيك على بياض"، لا يزال يحتفظ بقدرة واضحة على خلط الأوراق.
وتُظهر التقديرات أن إسرائيل تراهن على نفاد صبر ترمب، مستندة إلى استراتيجيتها التقليدية المسماة "المعركة بين الحروب". الثلاثاء المقبل يضع المنطقة أمام مفترق تاريخي حاسم: إما أن تنجح "وثيقة مسقط" وكيمياء كوشنر في إنتاج صفقة تُخفف العقوبات مقابل تقييد البرنامج النووي. أو تتحول جنيف إلى محطة أخيرة لإضفاء الشرعية الدبلوماسية، قبل أن تتكلم مدافع "جيرالد فورد".
المصدر: كواليس + وكالات