القائمة
05:25 28 كانون الثاني 2026

لماذا يصمت "حزب الله"؟ قراءة في تحضيرات إسرائيل للمعركة الكبرى

عربية وإقليمية

في ظل تصعيد إسرائيلي متدرّج على الجبهة اللبنانية، يترافق مع غارات شبه يومية تطال القرى الحدودية والبنية التحتية، يخيّم على المشهد الإقليمي ما يشبه "الهدوء المُفخّخ". هذا الهدوء، الذي يقابله صمت محسوب من جانب حزب الله، لا يُقرأ بوصفه تراجعاً في منسوب التوتر، بل كمؤشر على انتقال الصراع إلى مرحلة الإعداد لما هو أوسع وأخطر، إذ باتت تل أبيب تتعامل مع إيران كهدف مباشر لا كمرجعية بعيدة للأذرع.

يرى محللون عسكريون أن الخطاب الصادر عن شخصيات أمنية إسرائيلية نافذة يعكس تحوّلاً واضحاً في العقيدة القتالية. فبعد سنوات من اعتماد سياسة "جزّ العشب" ضد الأذرع، بدأت المؤسسة الأمنية تتحدث علناً عن ضرورة ضرب "المركز" بدل الاكتفاء بتطويق الأطراف.

ويُذكر أن التحذيرات من "هدوء خادع" لا تنطلق من فراغ، بل تأتي في سياق تقييم استخباري يعتبر أن إسرائيل وإيران تخوضان حالياً سباق وقت:

  • تل أبيب تعمل على استكمال الجاهزية العسكرية وتحصين الجبهة الداخلية.

  • طهران تسعى إلى توزيع أدوار أذرعها إقليمياً بما يمنع عزلها في أي مواجهة مباشرة.

ميدانياً، تواصل إسرائيل تنفيذ ضربات مركّزة داخل الجنوب اللبناني، تصفها بأنها استهداف "لبنية الإرهاب". في المقابل، يلتزم حزب الله سياسة ضبط النفس، ما يفتح باب التأويل حول طبيعة هذا الصمت.

في القراءة العسكرية، لا يُفسَّر هذا السلوك على أنه عجز، بل كخيار استراتيجي يهدف إلى تجنّب استنزاف القدرات الصاروخية في معركة جانبية، في وقت تُعتبر فيه هذه القدرات جزءاً من معادلة الردع الكبرى المرتبطة بإيران نفسها. ويُذكر أن هذا النهج ينسجم مع فرضية "وحدة الساحات المؤجلة"، إذ يتم تأجيل الانخراط الكامل إلى لحظة يُنظر إليها على أنها حاسمة.

اللافت في الخطاب الإسرائيلي الأخير هو الانتقال من مفهوم "الردع" إلى التلميح الصريح بإمكانية "سقاط النظام الإيراني". هذا التحول يعني، سياسياً وعسكرياً، أن أي مواجهة مقبلة لن تكون محدودة أو تكتيكية، بل قد تأخذ طابع الضربة الوجودية.

ويشير مراقبون إلى أن تبنّي نظرية "سقوط المركز يؤدي إلى انهيار الأطراف" يعكس قناعة إسرائيلية بأن ضرب طهران سيؤدي تلقائياً إلى تفكك شبكتها الإقليمية، من لبنان إلى العراق واليمن، وهو رهان محفوف بالمخاطر لكنه حاضر بقوة في النقاشات الأمنية.

الجدير بالذكر أن النقاش داخل إسرائيل لا يقتصر على التهديدات الخارجية. فالتقارير الأمنية تحذّر من هشاشة الجبهة الداخلية في حال اندلاع حرب شاملة، سواء بسبب انتشار السلاح غير المنضبط أو احتمالات الاضطراب المجتمعي. هذا البعد الداخلي يفرض، وفق تقديرات إسرائيلية، ضرورة حسم أي مواجهة خارجية بسرعة قبل انتقال الفوضى إلى الداخل.

اللافت للنظر أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية لطالما قامت على نقل المعركة إلى أرض الخصم، إلا أن استهداف إيران مباشرة، خصوصاً دون غطاء أميركي كامل، يمثل مقامرة استراتيجية غير مسبوقة. في المقابل، تراهن طهران وحلفاؤها على أن كلفة الحرب الشاملة ستدفع تل أبيب إلى التردد في القفز نحو المجهول.

ما يجري حالياً ليس تهدئة، بل إعادة ترتيب للأوراق قبل لحظة الانفجار. إسرائيل تُراكم شروط المواجهة الكبرى، وإيران تُمسك بأوراق الرد عبر أذرعها، فيما يقف حزب الله في قلب المعادلة، صامتاً ظاهرياً، لكنه حاضر في الحسابات. وبين هذا وذاك، تبدو المنطقة أقرب من أي وقت مضى إلى اختبار تاريخي قد يعيد تعريف موازين القوة في الشرق الأوسط.