لم يعد السلاح المنتشر في شوارع بيروت مجرّد ظاهرة عابرة أو حوادث فردية، بل بات مؤشراً خطيراً على حجم التفلت الأمني الذي يهدّد العاصمة ويضع السكان أمام مشاهد الفوضى والاقتتال. وما شهدته منطقة عائشة بكّار مساء امس وشكّل نموذجاً جديداً لهذا الواقع المتفلّت، بعدما تحوّل خلاف سابق إلى مواجهة مسلّحة ومحاولة لاقتحام مركز تابع لـ"الجماعة الإسلامية"، وسط إطلاق نار كثيف ومعلومات عن سقوط قتيل وعدد من الجرحى.
ووفق بيان الجيش اللبناني، فإن الإشكال تخلّله إطلاق نار أدى إلى إصابة ثلاثة أشخاص، أحدهم بحالة خطرة، قبل أن تتدخل دورية من الجيش لتطويق الاشتباكات وتوقيف عدد من المتورطين. كما ضُبطت كميات من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والذخائر الحربية، فيما تستمر التحقيقات بإشراف القضاء المختص لملاحقة باقي المشاركين في الأحداث.
لكن خلف تفاصيل الإشكال، يبرز السؤال الأخطر: ماذا يفعل هذا الكم من السلاح داخل أحياء بيروت السكنية؟ وكيف تحوّلت العاصمة إلى مساحة قابلة للاشتعال عند أي خلاف سياسي أو أمني أو حتى شخصي؟ فمشهد الأسلحة المتوسطة والذخائر الحربية داخل منطقة مدنية مكتظة لا يعكس فقط خللاً أمنياً، بل يكشف حجم التراكم الخطير للسلاح غير الشرعي خارج إطار الدولة.
وتُعيد حادثة عائشة بكّار طرح التساؤلات حول مصير القرار الذي اتخذته الحكومة اللبنانية في 9 نيسان 2026 والقاضي بحصر السلاح بيد الدولة وجعل بيروت “مدينة منزوعة السلاح”. فمشهد الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والذخائر الحربية التي ضُبطت بعد الاشتباكات يثير علامات استفهام حول فعالية الإجراءات الأمنية والتنفيذية التي وُعد بها اللبنانيون عقب صدور القرار. وبين القرارات الرسمية وواقع الشارع، تبدو العاصمة أمام اختبار جديد لمدى قدرة الدولة على فرض سلطتها ومنع تحوّل الأحياء السكنية إلى ساحات اشتباك مسلّح.
ورغم تدخل الجيش اللبناني ونجاحه في تطويق الإشكال، إلا أن تكرار مثل هذه الحوادث يضع الدولة أمام تحدٍ كبير يتعلق بفرض هيبتها داخل العاصمة، خصوصاً أن المواطنين باتوا يواجهون مشاهد الرصاص والسلاح في مناطق يفترض أنها تخضع بالكامل لسلطة الدولة والقانون.