القائمة
07:13 04 حزيران 2026

نعيم قاسم يرفع سقف رفض اتفاق وقف إطلاق النار... فهل يترجم ذلك ميدانياً أم أن الحزب يمهّد للإذعان؟

لبنان

يبدو أن نعيم قاسم، في بيان وزعه «حزب الله»، قد أعلن موقف الحزب من اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان، الذي أُعلن في الولايات المتحدة أمس، والذي جاء حصيلة يومين من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل. وقد بدا ملفتًا اختيار ذكرى رحيل الإمام الخميني مناسبة لإعلان الموقف، نظراً إلى شدة الارتباط المرجعي والعقائدي لنعيم قاسم وحزبه بإيران وخياراتها. فقد قدَّم نعيم قاسم الخميني في هذا البيان باعتباره «تجلياً للخط الرباني» ونموذجًا للبشرية»، وربط شرعية إيران ومشروعها السياسي بمفاهيم الحق والعدالة والاستقامة ومقاومة الظلم، وصوَّر تاريخ الجمهورية الإسلامية باعتباره مساراً مستمراً من المواجهة بين «جبهة الحق» التي تمثلها إيران وحلفاؤها، و«جبهة الاستكبار» من جهة أخرى.

رفض قاسم اتفاق وقف إطلاق النار من حيث المبدأ لأنه اعتبر أن الهدف الحقيقي منه هو تحقيق ما عجزت إسرائيل عن تحقيقه عسكرياً، أي تقليص الدور العسكري لـ«حزب الله» وإبعاد قواته عن جنوب الليطاني، ووضع المنطقة تحت السيطرة الحصرية للدولة اللبنانية. ولذلك طرح شروطاً بديلة تقوم على «وقف العدوان الإسرائيلي» و«انسحاب القوات الإسرائيلية» و«تحرير الأسرى» و«إعادة الإعمار» قبل أي نقاش في الترتيبات الأمنية.

وسعى الخطاب إلى إعادة التأكيد أن ملف لبنان لا يمكن فصله عن مسار التفاوض الإيراني – الأميركي؛ بحيث يُفهم منه أن قوة لبنان، من وجهة نظر الحزب، تكمن في عدم الانفصال عن خيارات هذا المحور.

هذا على مستوى خطاب نعيم قاسم. في المقابل، يظهر حديث المسؤولين الإسرائيليين بوضوح أن الاتفاق يهدف إلى إبعاد قوات «حزب الله» عن جنوب الليطاني، واستمرار حرية العمل العسكري الإسرائيلي، والاحتفاظ بنفوذ أمني في بعض المناطق الحدودية، ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية للحزب. كما أن تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تكشف أن تل أبيب تنظر إلى الاتفاق باعتباره خطوة أولى في مسار أوسع لإعادة تشكيل الواقع الأمني اللبناني، وليس مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار.

في مقابل هذين الموقفين، يلفت في هذا المجال أن رئيس الجمهورية جوزاف عون تحدث عن الاتفاق باعتباره فرصة أخيرة لإنقاذ لبنان من دورة الحرب المفتوحة.

وبعيداً عن اللغة التصعيدية التي تضمنها خطاب نعيم قاسم، فإن المعطيات الميدانية تظهر أن إسرائيل نجحت خلال الأيام الأخيرة في تثبيت مواقع تقدمها والاستيلاء على قرى إضافية، فضلاً عن احتفاظها بالتفوق الجوي الكامل وإمكانية استهداف قيادات وكوادر وبنى عسكرية تابعة لـ«حزب الله»، في سياق مسار أدى إلى تكبيد الحزب خسائر بشرية وعسكرية وتنظيمية كبيرة.

ولا يمكن تجاهل هذا الاختلال في ميزان القوى، وهو اختلال قد يبرر القول إن المواجهة التي قد يخوضها «حزب الله» ضد اتفاق وقف إطلاق النار المعلن أمس قد تبقى، في نهاية المطاف، ضمن حدود الاعتراض السياسي والخطابي، طالما أن كلفة استمرار الحرب على الحزب وبيئته الحاضنة تواصل الارتفاع يوماً بعد يوم.

ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان «حزب الله» يرفض الاتفاق في الخطاب، بل ما إذا كان سيترجم هذا الرفض إلى سلوك ميداني. فإذا التزم الحزب عملياً بوقف إطلاق النار وبالترتيبات التي يجري التفاوض حولها، فإن خطاب الرفض قد يُقرأ بوصفه محاولة لحفظ التوازن الداخلي الحزبي الذي بدأ يظهر اختلاله في الآونة الأخيرة؛ وتجنب ظهور الحزب بموقع المتراجع تحت الضغط. أما إذا استمر في العمليات العسكرية أو وسّعها واستهدف مرة جديدة شمال اسرائيل، فإن ذلك قد يعني أن لبنان قد أُدخل فعلاً مرحلة جديدة، مع ما قد يترتب على ذلك من منح إسرائيل مبررات إضافية للمضي في سياسة الضغط العسكري والسياسي الهائل على الحزب ولبنان معاً.