منذ اندلاع الحرب في الثاني من آذار 2026، دخل لبنان مرحلة شديدة الحساسية على المستويين السياسي والإنساني، بعدما تحوّلت المواجهة العسكرية وتداعياتها إلى عبء يومي يطال مختلف المناطق والقطاعات. وبينما كانت الحكومة اللبنانية تخوض اتصالات سياسية ودبلوماسية للوصول إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار، كانت في الوقت نفسه تواجه تحدياً داخلياً لا يقل خطورة، تمثّل بإدارة ملف النزوح الداخلي وتأمين الإيواء والخدمات لعشرات آلاف العائلات التي اضطرت إلى مغادرة منازلها نتيجة التصعيد العسكري.
وفي هذا السياق، صدر “تقرير الاستجابة الوطنية الشاملة للحكومة اللبنانية عن الحرب والنزوح الداخلي” للفترة الممتدة بين آذار وأيار 2026، عن رئاسة مجلس الوزراء، ليعرض حجم الإجراءات التي اتخذتها الدولة منذ بداية الحرب. التقرير لا يكتفي بعرض الأرقام، بل يكشف حجم الضغط الذي واجهته المؤسسات الرسمية في ظل أزمة معيشية واقتصادية خانقة أساساً، قبل أن تأتي الحرب لتضيف أعباء جديدة على البنية التحتية والقطاعات الصحية والتربوية والخدماتية.
كما تضمن التقرير "استجابةً للأزمة، فعّلت الحكومة اللبنانية عند الساعة الرابعة فجراً من اليوم الأول للحرب غرفة العمليات الوطنية في السراي الحكومي الكبير، معتمدة آلية تنسيق متعددة المستويات شملت المسار الوطني والقطاعي والمحلي. كما أتاحت خطة الجهوزية الوطنية المعدّة مسبقًا تحديد 325 مركزًا للإيواء، جرى تفعيلها بالكامل خلال الساعات الـ72 الأولى، ما ساهم في تأمين مراكز استقبال بشكل سريع ومنظّم للنازحين."
الحرب التي بدأت عملياً بعد إطلاق “حزب الله” ستة صواريخ في الثاني من آذار، تحت عنوان “الثأر لخامنئي”، دفعت لبنان إلى مواجهة واسعة لم يكن مستعداً لها، سواء سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً. ومع توسّع الضربات والغارات، بدأت موجات النزوح الداخلي تتصاعد بسرعة، لتتحول العاصمة بيروت ومناطق جبل لبنان إلى المركز الأساسي لاستقبال النازحين، حيث استضافت المنطقتان نحو 70 في المئة من إجمالي النازحين، وفق ما أظهره التقرير الحكومي.
هذا الواقع فرض على الحكومة تحديات متشابكة، بدأت من تأمين مراكز الإيواء والمساعدات الغذائية والطبية، مروراً بتنظيم عمل البلديات والجمعيات، وصولاً إلى معالجة الضغط الهائل على المدارس والمستشفيات والبنى التحتية. كما واجهت السلطات انتقادات مرتبطة بقدرتها على الاستجابة السريعة، في ظل محدودية الإمكانات والانهيار المالي الذي يعيشه لبنان منذ سنوات.
وفي موازاة المعركة الإنسانية، كانت الحكومة تتحرك على المستوى السياسي والدبلوماسي لمحاولة تجنيب لبنان مزيداً من التصعيد. فالاتصالات مع الدول العربية والاجنبية والجهود الدولية التي تكثّفت خلال الأشهر الماضية للوصول إلى وقف شامل لإطلاق النار، وسط مخاوف من انزلاق البلاد إلى حرب مفتوحة تتجاوز قدرته على الاحتمال.
ولم تقتصر الاستجابة على فتح مراكز الإيواء، بل شملت أيضًا نقل النازحين إلى مواقع تابعة للدولة، أبرزها مركز “البيال”، إضافة إلى متابعة الملفات الصحية والاجتماعية والخدماتية المرتبطة بالنزوح. وفي هذا الإطار، أعلنت وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد في 3 حزيران 2026 بدء تحويل مساعدات نقدية إلى 100 ألف عائلة إضافية مسجّلة على منصة الوزارة، ما يرفع العدد الإجمالي للعائلات المستفيدة إلى 250 ألف عائلة، تشمل نازحين خارج مراكز الإيواء وعائلات بقيت صامدة في القرى الحدودية.
ويعكس التقرير الرسمي محاولة الدولة إظهار أنها لا تزال قادرة على إدارة الأزمة، ولو بإمكانات محدودة، وأن المؤسسات الرسمية لم تغب بالكامل عن المشهد رغم ضخامة التحديات. إلا أن الأرقام الواردة فيه تكشف أيضاً حجم الكلفة التي تكبدها لبنان خلال أشهر قليلة فقط، سواء على مستوى النزوح أو الاقتصاد أو الخدمات العامة.
وبين المعركة السياسية لوقف الحرب، والمعركة الإنسانية لإدارة النزوح، يجد لبنان نفسه مجدداً أمام اختبار صعب، عنوانه كيفية احتواء تداعيات حرب دفع ثمنها اللبنانيون في مختلف المناطق، فيما يبقى السؤال الأساسي حول قدرة الدولة على تحمّل أعباء مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، في بلد يعاني أصلاً من أزمات متراكمة منذ سنوات.