القائمة
07:30 01 حزيران 2026

26 مليار دولار نحو الخلود: حلم بوتين بتحدي الشيخوخة

دولية

عندما التُقطت لفلاديمير بوتين عبارة عبر ميكروفون مفتوح وهو يخبر شي جين بينغ أن البشر قد يحققون الخلود عبر استبدال أعضائهم، اعتبر البعض الحديث مجرد دردشة غريبة بين زعيمين متقدمين في السن. لكن في الواقع، وخلال ذلك الحديث الذي جرى في عرض عسكري في بكين في أيلول الماضي، بدا بوتين وكأنه يصف مبادرة روسية مدعومة من الكرملين تُعد اليوم أحد أبرز المشاريع العلمية في البلاد.

وكما هو الحال مع مليارديرات وادي السيليكون مثل جيف بيزوس، سام ألتمان وبيتر ثيل ، لطالما أبدى بوتين اهتمامًا بأبحاث مكافحة الشيخوخة. إلا أن مساعيه في روسيا لدرء التقدّم في العمر تحوّلت اليوم إلى أولوية وطنية تعتمد على وسائل متنوّعة تشمل طباعة الأعضاء، وتربية الخنازير المصغّرة، والتعرّض لدرجات حرارة شديدة الانخفاض.

وفي نيسان الماضي، أعلنت الحكومة الروسية أن العلماء يطوّرون علاجًا جينيًا يهدف إلى إبطاء الشيخوخة الخلوية، وذلك ضمن مبادرة “تقنيات جديدة للحفاظ على الصحة”، وهي مشروع بوتين لإطالة العمر الذي تبلغ قيمته 26 مليار دولار. وقال نائب وزير العلوم الروسي دينيس سيكيرينسكي في 23 نيسان إن هذا الدواء “يمثل أحد أكثر المسارات الواعدة في مكافحة الشيخوخة”.

ومن المسارات الأخرى الواعدة أيضًا، بحسب بوتين، إنشاء أعضاء بشرية داخل المختبرات من أجل زراعتها، وهو أحد الابتكارات التي تحدّث عنها في بكين. وتندرج هذه الجهود ضمن المبادرة الوطنية لإطالة العمر التي أطلقها عام 2024، والتي تعد بإنقاذ 175 ألف شخص بحلول نهاية العقد الحالي. وقد أشار منتقدون حينها إلى أن الرقم يحمل دلالة محرجة مرتبطة بالحرب، إذ يوازي تقريبًا تقديرات مستقلة لخسائر الجيش الروسي في الحرب على أوكرانيا.

وركّز العلماء الروس المعيّنون من قبل بوتين على تقنيتين أساسيتين: الطباعة الحيوية، أي الطباعة ثلاثية الأبعاد للأنسجة الحية، وزراعة الأعضاء الحيوانية داخل البشر، أي تنمية أعضاء بشرية داخل خنازير مصغّرة تُعتبر متوافقة جينيًا مع الإنسان. ويقول علماء روس يعملون مع جهات حكومية إنهم نجحوا في طباعة نسيج غضروفي بشري وغدة درقية لفأر، مع هدف الوصول إلى استبدال أعضاء بشرية كاملة بحلول عام 2030. كما يجري الحديث عن إطار زمني مشابه لتنمية الأعضاء داخل الخنازير.

وقال المكتب الصحافي للكرملين في رسالة إلكترونية: “يجري العمل في روسيا على مجموعة واسعة من البرامج العلمية في هذا المجال. وهذه المشاريع تحظى بدعم الدولة، وتشارك فيها مؤسسات علمية وبحثية عديدة”. ويقود مبادرة إطالة العمر شخصيتان مقرّبتان من بوتين: ابنته ماريا فورونتسوفا ، وهي طبيبة غدد صماء تشرف على برامج حكومية خاصة بعلم الوراثة، والفيزيائي ميخائيل كوفالتشوك ، رئيس معهد كورتشاتوف، مركز الأبحاث النووية السوفيتي السابق. وأصبح كوفالتشوك، وهو شقيق حليف بوتين المقرب يوري كوفالتشوك، المهندس الفكري الرئيسي لمشروع الكرملين لإطالة العمر. وقد صرّح بأن العلم سيتيح للبشر قريبًا إصلاح واستبدال أجزاء الجسم إلى ما لا نهاية.

وقال كوفالتشوك لوسائل إعلام روسية: “من الصعب الحديث عن الخلود، لكن قدرة الإنسان على إصلاح نفسه ستزداد بلا شك”. وعلى عكس الأبحاث المشابهة التي يمولها بيزوس أو ألتمان أو ثيل، فإن الأعمال التي يروّج لها محيط بوتين لم تُنتج سوى القليل من الدراسات المنشورة في مجلات علمية دولية محكّمة.

وقال العالم الروسي ألكسندر أوستروفسكي، أحد رواد الطباعة الحيوية في روسيا: “إذا لم تكن هناك منشورات علمية، فهذا يعني أنه لا توجد نتائج حقيقية، وربما يجب اعتبار هذه التصريحات طموحات، إن لم نقل أحلامًا”. وكان أوستروفسكي قد غادر روسيا بعد الغزو الشامل لأوكرانيا، وباع شركته التي باتت تتعاون اليوم مع الحكومة. وأضاف: “من المستحيل القيام بالعلم في عزلة”، في إشارة إلى العقوبات التي فصلت الأبحاث الروسية عن الغرب. وتابع: “ربما يقولون لبوتين ما يريد سماعه للحصول على التمويل”.

كما ربط كوفالتشوك علوم إطالة العمر برؤية الكرملين الأوسع للصراع الحضاري مع الغرب. ففي خطاب شهير عام 2015، حذّر من أن الغرب يتجه نحو إنشاء “بشر خدَم”، أي أشخاص يمكن التحكم بهم وذوي وعي محدود وقدرة إنجابية خاضعة للتلاعب. كما لمح إلى أن الولايات المتحدة كانت وراء جائحة كورونا.

وأظهر بوتين تعاطفًا مع أفكار مشابهة. فقد أشاد كوفالتشوك علنًا بالفيلم السوفيتي “الموسم الميت” الصادر عام 1968، والذي يصوّر وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية وهي تتآمر مع أطباء نازيين سابقين للسيطرة على البشرية. وكان بوتين قد قال سابقًا إن هذا الفيلم ألهمه للانضمام إلى جهاز الـKGB.

ومن الشخصيات المؤثرة أيضًا فلاديمير خافينسون، الذي وصفته وسائل الإعلام الروسية بـ”طبيب بوتين المختص بالشيخوخة”، والذي روّج لعلاجات مضادة للتقدّم في العمر تعتمد على الببتيدات المستخرجة من أنسجة العجول. وأصبحت الببتيدات، وهي سلاسل قصيرة من الأحماض الأمينية تُسوّق لتحسين التعافي ونمو العضلات ومقاومة الشيخوخة، شائعة بين شخصيات أميركية في مجال الصحة والعافية مثل روبرت ف. كينيدي جونيور، جو روجان، رغم محدودية الأدلة العلمية على كثير من فوائدها المزعومة.

وكان خافينسون، الذي نال أحد أعلى الأوسمة الروسية من بوتين تقديرًا لإنجازاته الطبية، قد قال في مقابلات إنه يسعى لإطالة عمر قائد قد يؤدي غيابه إلى إدخال روسيا في أزمة. كما اعتبر أن البشر خُلقوا ليعيشوا حتى 120 عامًا، مستشهدًا بنصوص دينية. ورغم غرابة بعض هذه الأفكار، فإن كوفالتشوك وخافينسون يُعدّان من العلماء ذوي المؤهلات العالية. لكن بوتين أبدى أيضًا انفتاحًا على مقاربات أقل علمية بكثير.

فخلال اجتماع في الكرملين عام 2018، نصح بوتين المستشار النمساوي آنذاك سيباستيان كورتس  بتجربة غرفة العلاج بالتبريد، وهي أشبه بساونا معكوسة يتعرض فيها الجسم لحرارة تصل إلى 170 درجة فهرنهايت تحت الصفر. وروى كورتس لاحقًا دهشته عندما شرح له بوتين بحماسة فوائد الوقوف عاريًا بشكل منتظم داخل الغرفة المتجمدة.

وبوتين، البالغ من العمر 73 عامًا، أمضى عقودًا في بناء صورة الرجل القوي عبر استعراضات جسدية مدروسة، من الصيد عاري الصدر إلى لعب الهوكي وقيادة دراجات “هارلي ديفيدسون” بملابس سوداء ضيقة، في محاولة لإظهار نفسه كرجل لا يشيخ.

لكن خلف هذه الصورة المصطنعة، يختبئ حاكم شديد الانشغال بفكرة التدهور الجسدي. وخلال جائحة كورونا، فرض بوتين إجراءات حجر صارمة شملت أنفاق تعقيم وفترات عزل طويلة للزوار، فيما أصبحت طاولاته الطويلة الشهيرة رمزًا للمسافة السياسية والخوف من الجراثيم. كما تكهّنت وسائل إعلام روسية وغربية بخضوعه لإجراءات تجميلية مع ازدياد نعومة ملامحه مع التقدم في العمر.

ويبلغ معظم مساعدي بوتين وحلفائه المقربين اليوم أيضًا السبعينيات من العمر، ومن بينهم آل كوفالتشوك وشخصيات بارزة مثل يوري أوشاكوف، وسيرغي تشيميزوف، ونيكولاي باتروشيف. ويعكس سعي بوتين للهروب من التدهور الجسدي، وانفتاحه على العلوم غير التقليدية، تقليدًا روسيًا قديمًا لدى الحكام المستبدين.

ففي عشرينيات القرن الماضي، جذبت تجارب العالم السوفيتي ألكسندر بوغدانوف على نقل الدم بغرض استعادة الشباب اهتمام الكرملين، قبل أن يموت بسبب تجاربه الذاتية عن عمر 55 عامًا. وبعد عقد من الزمن، نظّم الطبيب أوليكسندر بوغوموليتس أول مؤتمر عالمي حول إطالة العمر، ونال إشادة من جوزيف ستالين بعد أبحاث زعم فيها أن البشر يمكن أن يعيشوا حتى 150 عامًا. لكن بوغوموليتس نفسه توفي عن عمر 65 عامًا.

ولا تزال روسيا تسجل بعضًا من أسوأ معدلات الوفيات في العالم المتقدم. فمتوسط العمر المتوقع للرجال فيها يبلغ اليوم نحو 68 عامًا، وفق الإحصاءات الرسمية، مقارنة بنحو 76 عامًا في الولايات المتحدة وأكثر من 80 عامًا في معظم دول أوروبا الغربية. ويبقى الموت، بخلاف الانتخابات، أمرًا يصعب على الكرملين التحكم به.

 

(الترجمة عن The Wall Street Journal )