عاد شبح التصعيد ليخيّم مجدداً على الضاحية الجنوبية لبيروت، بعدما أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس أنهما أعطيا أوامر مباشرة للجيش الإسرائيلي بتنفيذ ضربات ضد الضاحية، بذريعة “انتهاكات حزب الله”. هذا التصريح لم يمر مرور الكرام، بل أعاد إلى الواجهة مشاهد القلق والخوف، ودفع عدداً كبيراً من السكان إلى مغادرة المنطقة وسط حركة نزوح كثيفة شهدتها شوارع الضاحية.
المشهد في بيروت بدا وكأنه يعكس واقعاً مألوفاً للبنانيين منذ أشهر: تهديدات إسرائيلية تترافق مع حالة خوف وقلق داخلية، فيما تعود الضاحية الجنوبية مرة جديدة إلى واجهة التصعيد والرسائل العسكرية. ومع كل تهديد جديد، يعيش السكان تحت ضغط أمني ونفسي متواصل، في وقت يدفع فيه المدنيون الثمن المباشر لأي مواجهة أو تصعيد على الجبهة اللبنانية.
وفي موازاة هذا التصعيد، برز موقف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي الذي أعلن أن “وقف إطلاق النار في لبنان جزء من أي اتفاق لإنهاء الحرب”. إلا أن هذا التصريح يطرح تساؤلات واسعة حول طبيعة المقاربة الإيرانية للملف اللبناني، خصوصاً أن الحديث الإيراني السابق عن ترتيبات وقف إطلاق النار كان يتمحور بشكل أساسي حول ساحات أخرى، بينما بدا لبنان وكأنه خارج الأولويات الفعلية لأي تهدئة شاملة.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: ففي الوقت الذي يجري فيه الحديث عن مفاوضات واتفاقات إقليمية محتملة، لا تزال الضاحية الجنوبية وسكانها يعيشون تحت وقع التهديد المباشر، وكأن لبنان لا يدخل فعلياً ضمن خرائط الاستقرار المطروحة والتي تعلن عنها ايران. فالتصعيد الإسرائيلي الأخير، وما تبعه من حالة نزوح وخوف، يعكس أن الساحة اللبنانية ما زالت مفتوحة على الاحتمالات الأمنية، وأن أي حديث عن وقف نار لا يترجم حتى الآن بحماية فعلية للبنان.
وبين التصريحات الإيرانية والتهديدات الإسرائيلية، يبقى اللبنانيون عالقين في قلب المواجهة، يدفعون كلفة صراع إقليمي أكبر من قدرتهم على الاحتمال، فيما تبدو الضاحية مرة جديدة عنواناً لمعادلة خطيرة: تفاوض في السياسة، وتصعيد على الأرض.