دخلت الحرب على لبنان هذا الأسبوع مرحلة أكثر تعقيداً، بعدما انتهت الجولة الأمنية اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن من دون أي تفاهم حول وقف إطلاق النار، ما كرّس اتساع الفجوة بين الرؤية اللبنانية المدعومة أميركياً وبين الأهداف الإسرائيلية التي باتت تتجاوز إدارة المعركة إلى محاولة فرض واقع ميداني وسياسي جديد على الحدود الجنوبية.
فعلى الأرض تتقدم إسرائيل لتجتاح المزيد من القرى وتهجر الآلاف يوميا بالإضافة الى تدمير ممنهج للقرى الجنوبية، وهو مسار لا تعيقه احتفالات ميليشيا الحزب المحظورة ب "إنجازات" ميدانية لا تغير من الوقائع والمعاناة.
مصادر متابعة للمفاوضات أكدت أن الاتصالات الأميركية التي سبقت الاجتماع، بما فيها التواصل الذي أجراه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع رئيس الجمهورية جوزيف عون، لم تنجح في انتزاع أي التزام إسرائيلي بوقف العمليات العسكرية. وعلى العكس، أظهر الاجتماع أن إسرائيل ما زالت تتعامل مع المفاوضات باعتبارها أداة لإدارة الحرب لا لإنهائها.
خلال المحادثات، تمسك الجانب اللبناني بأولوية وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية كمدخل لأي نقاش سياسي أو أمني لاحق، فيما رفض الجانب الإسرائيلي وقف العمليات العسكرية، وأعاد طرح فكرة المنطقة الأمنية العازلة والاحتفاظ بمناطق احتلال داخل الأراضي اللبنانية تحت عناوين أمنية طويلة الأمد.
انتهت الجولة من دون نتائج عملية، واكتفى الجانب الأميركي بالإشادة باستمرار التواصل بين الطرفين، فيما تم ترحيل الملفات الخلافية إلى الجولة السياسية المقررة يومي ٢ و٣ حزيران المقبل برئاسة السفير سيمون كرم، الذي أُبلغ مباشرة من الوفد العسكري اللبناني بتفاصيل النقاشات والاعتراضات الإسرائيلية قبل عودة الوفد إلى بيروت.
في قصر بعبدا، عقد رئيسا الجمهورية جوزيف عون والحكومة نواف سلام اجتماعاً لتقييم نتائج المسار التفاوضي. وبحسب المعطيات، خلص التقييم إلى أن إسرائيل لا تزال ترفض أي وقف لإطلاق النار وتتمسك بخيار التوسع العسكري، ما دفع الجانب اللبناني إلى تكثيف اتصالاته الدولية لمحاولة وقف التوغل الإسرائيلي ومنع تثبيت وقائع ميدانية جديدة يصعب التراجع عنها لاحقاً.
فهرس المحتوى [إظهار]
إسرائيل ترسم حدود المرحلة المقبلة
ميدانياً، بدا واضحاً أن تل أبيب تسعى إلى استثمار تفوقها العسكري الحالي لترجمة مكاسب ميدانية إلى وقائع سياسية. فبالتزامن مع المفاوضات، واصلت القوات الإسرائيلية عمليات التدمير الواسعة للقرى الجنوبية، ووسعت نطاق غاراتها من الجنوب إلى البقاع، مع استمرار عمليات القصف والاستهداف والإنذارات الجماعية للسكان.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الجيش الإسرائيلي يعمل على تثبيت شريط أمني متدرج يمتد من المناطق الحدودية نحو عمق أكبر شمال الليطاني، بالتوازي مع تدمير البنية السكنية والخدماتية في عدد كبير من القرى، بما يشبه نموذج السيطرة الذي اعتمدته إسرائيل في قطاع غزة، ولكن بصيغة مختلفة تتناسب مع الواقع اللبناني.
وخلال الأيام الماضية سجلت تطورات ميدانية بارزة في محاور دبين والغندورية ويحمر الشقيف والخردلي ومحيط قلعة الشقيف، بالتوازي مع تكثيف الغارات الجوية على مناطق النبطية وبنت جبيل والبقاع الغربي.
الجيش اللبناني: لا انتشار قبل وقف الحرب
في موازاة ذلك، أكدت مصادر عسكرية أن الوفد اللبناني حمل إلى واشنطن موقفاً واضحاً مفاده أن الجيش اللبناني غير قادر على تنفيذ أي ترتيبات ميدانية أو خطط انتشار أو خطوات مرتبطة بحصر السلاح في ظل استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية.
وبحسب هذه المقاربة، فإن وقف إطلاق النار والبدء بالانسحاب الإسرائيلي يشكلان الشرط الإلزامي لأي نقاش يتعلق بالترتيبات الأمنية اللاحقة، فيما نفت المصادر وجود أي بحث في إنشاء لجان تنسيق أو غرف عمليات مشتركة أو آليات أمنية مباشرة بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي.
حزب الله: المعركة لم تُحسم
في المقابل، يقدم حزب الله قراءة مختلفة للمشهد الميداني. فبحسب تقديراته، فإن التقدم الإسرائيلي الذي جرى تسويقه على أنه اختراق استراتيجي باتجاه الليطاني لا يعكس حقيقة الوضع العسكري على الأرض.
وترى أوساط الحزب أن القوات الإسرائيلية احتاجت إلى أشهر من العمليات المكثفة للوصول إلى مناطق تبعد بضعة كيلومترات فقط عن الحدود الفلسطينية المحتلة، وأن القتال لا يزال مستمراً في عدد من القرى والمحاور، فيما تواصل المقاومة استهداف مواقع ومستوطنات في الجليل الأعلى بالصواريخ والطائرات المسيّرة رغم التقدم الإسرائيلي.
وتعتبر هذه الأوساط أن إسرائيل تحاول تعويض عجزها عن تحقيق حسم عسكري شامل عبر سياسة الأرض المحروقة والتدمير الواسع للقرى والبنى التحتية.
لكن هذه القراءة تتنافى مع التقدم على الأرض والذي بات يشكل تهديدا لمناطق واسعة من الجنوب جنوب نهر الليطاني من دون أي قدرة فعلية للحزب على وقف الاجتياح كما يدعي مسؤولوه.
جنبلاط يحذر من مشروع توسعي
سياسياً، برز هذا الأسبوع موقف رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط الذي اعتبر أن إسرائيل تنفذ سياسة تدمير منهجي للقرى اللبنانية شبيهة بما جرى في غزة، محذراً من أن محاولة فرض نزع سلاح حزب الله بالقوة قد تدفع البلاد نحو انفجار داخلي جديد.
كما رأى جنبلاط أن الدولة اللبنانية تمتلك هامشاً محدوداً في المفاوضات الحالية، وأن المشروع الإسرائيلي يتجاوز الجنوب اللبناني ليطال إعادة تشكيل البيئة الإقليمية وفرض وقائع جديدة في لبنان وسوريا على حد سواء.
ملف العفو العام يعود إلى الواجهة
بعيداً عن الجبهة الجنوبية، شهد الأسبوع تحركاً سنياً لافتاً تمثل بالاجتماع الموسع الذي استضافته دار الفتوى في طرابلس والشمال بمشاركة نواب وفعاليات دينية وقانونية من مختلف المناطق.
الاجتماع أعاد إطلاق النقاش حول قانون العفو العام، وتم الاتفاق خلاله على تشكيل لجنتين؛ قانونية وسياسية، تتوليان إعادة صياغة المشروع وفتح قنوات تفاوض مع الكتل السياسية لتأمين توافق يسمح بإقراره داخل المجلس النيابي.
وبرز مجدداً ملف الشيخ أحمد الأسير باعتباره العقدة الرئيسية أمام القانون، مع تداول أفكار ومخارج سياسية وقانونية مختلفة تهدف إلى إزالة العقبات التي عطلت المشروع خلال السنوات الماضية.
أسبوع الانتظار
تنتهي هذا الأسبوع من دون أي اختراق سياسي أو عسكري يوقف الحرب أو يفتح باب التسويات. المفاوضات انتقلت إلى جولة جديدة مطلع حزيران، فيما تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية بوتيرة متصاعدة، ويواصل لبنان رهانه على الضغوط الأميركية والدولية لمنع تثبيت واقع ميداني جديد قد يتحول إلى أمر دائم.
وبين مسار تفاوضي متعثر، وتصعيد عسكري مفتوح، وحراك داخلي متزايد حول ملفات العفو والسلاح ومستقبل الجنوب، يدخل لبنان أسبوعاً جديداً مثقلاً بالأسئلة أكثر من الأجوبة، فيما تبدو المنطقة بأكملها بانتظار ما ستؤول إليه التفاهمات الإقليمية الأوسع، من واشنطن إلى طهران.