القائمة
01:31 29 أيار 2026

غارات إسرائيلية تهدد قلعة الشقيف... رغم "الحماية المعززة"

لبنان

لم تكن الغارات الإسرائيلية الأربع التي استهدفت محيط قلعة الشقيف مجرّد تصعيد عسكري جديد في جنوب لبنان، بل أعادت إلى الواجهة ملف استهداف المعالم الأثرية والتاريخية خلال الحروب، وسط مخاوف متزايدة من تعرّض أحد أبرز الرموز التراثية اللبنانية لأضرار مباشرة. فالقلعة الواقعة على تلة تشرف على الجنوب اللبناني، لا تمثل فقط موقعاً عسكرياً أو جغرافياً، بل تُعد شاهداً على قرون من تاريخ المنطقة وحضاراتها المتعاقبة.

ويكتسب استهداف محيط القلعة حساسية إضافية، بعدما كانت قد مُنحت عام 2024 “الحماية المعززة” بموجب البروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، ما يجعل أي اعتداء عليها أو تعريضها للخطر انتهاكاً واضحاً للقوانين والمواثيق الدولية المتعلقة بحماية التراث الثقافي والإنساني. كما تُرفع على بعض المواقع الأثرية المشمولة بالحماية الدولية “العلامة الزرقاء” الخاصة بمنظمة اليونسكو، للدلالة على وجوب تحييدها عن النزاعات العسكرية.

وليس هذا التهديد الأول الذي يطال المعالم التاريخية اللبنانية خلال الحرب. ففي حرب 2024، واجهت قلعة بعلبك التاريخية خطراً مشابهاً، بعدما تعرّض حي القلعة لأكثر من غارة إسرائيلية، كانت أعنفها في السادس من تشرين الثاني، حين استُهدفت منطقة البساتين غرب القلعة. ورغم عدم تسجيل أضرار مباشرة في مبنى القلعة الأثري، فإن شدة الانفجار أدت إلى تطاير حجارة كبيرة من مبنى المنشية الأثري المحاذي، كما تضررت منازل الحي والمحلات التجارية والمنشآت الطبية المحيطة بالموقع التاريخي.

وفي هذا السياق، استنكرت بلدية أرنون “بأشد العبارات” الاعتداء الذي استهدف قلعة الشقيف، معتبرة أن القصف طال أحد أبرز المعالم الأثرية والتراثية في جنوب لبنان، بما تمثله القلعة من قيمة تاريخية ووطنية وثقافية وإنسانية. وأشارت البلدية إلى أن القصف ترافق مع تفجير منازل سكنية وتدمير أحياء وبنى تحتية، بعد تهجير الأهالي قسراً من منازلهم وأرضهم.

وأكدت البلدية في بيانها أن قلعة الشقيف “ليست مجرد موقع أثري، بل شاهد حي على تاريخ المنطقة وحضارتها وصمود أهلها عبر القرون”، معتبرة أنها تشكل جزءاً أساسياً من التراث اللبناني والإنساني الذي يفترض حمايته وصونه من أي اعتداء. كما ذكّرت بأن القلعة مُنحت “الحماية المعززة” بموجب البروتوكول الثاني لعام 1999 الملحق باتفاقية لاهاي، ما يجعل أي استهداف لها انتهاكاً صريحاً للقوانين الدولية الخاصة بحماية التراث الثقافي أثناء النزاعات المسلحة.

ودعت بلدية أرنون وزارة الثقافة اللبنانية والمنظمات الدولية المعنية بحماية التراث العالمي إلى التحرك الفوري لوقف الاعتداءات التي تطال القلعة، والعمل على حمايتها من المزيد من الأضرار، مشددة على أن استهداف المواقع التراثية والأثرية يمثل انتهاكاً واضحاً للاتفاقيات الدولية.

وفي المواقف الرسمية، رأى رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام  أن “لا شيء يمكن أن يبرر الاعتداءات المتواصلة التي تتعرض لها منطقتا صور والنبطية، وتدمير معالمهما التاريخية، والتهديدات المستمرة التي تطال الأهالي الآمنين فيهما”. واعتبر أن الدعوات المتكررة للسكان لمغادرة منازلهم وترك أرزاقهم “ترقى إلى مستوى العقاب الجماعي الذي تدينه كل الأعراف والشرائع الدولية”.

وأكد سلام أن هذه التطورات تزيد لبنان تمسكاً بضرورة “الوقف الفوري لإطلاق النار، والعمل على الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها”، بما يتيح عودة النازحين إلى ديارهم “بأمن وكرامة”، مشيراً إلى استمرار العمل على “حشد كل الدعم العربي والدولي” لتحقيق هذه الأهداف.

بدوره، علّق وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي عبر منصة “إكس”، قائلاً إنه تابع “بألم بالغ وقلق عميق الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على مدينة صور العريقة، التي طالت أحياءها التاريخية العتيقة وكنائسها وجوامعها ومعالمها التراثية التي صمدت عبر آلاف السنين”. وأشار إلى أنه بدأ “سلسلة اتصالات دبلوماسية مكثفة للمطالبة بوقف فوري لهذه الاعتداءات، ولرفع الصوت دفاعاً عن إرث إنساني وحضاري لا يخص لبنان وحده، بل يعود إلى ضمير العالم أجمع”.

ومع تكرار استهداف محيط المواقع الأثرية في لبنان، تتصاعد المخاوف من أن تتحول المعالم التاريخية إلى ضحية إضافية للحرب، في بلد يختزن إرثاً حضارياً يمتد لآلاف السنين، ويُفترض أن تحميه القوانين والاتفاقيات الدولية بعيداً عن النزاعات العسكرية.