في الذكرى المئوية للدستور اللبناني، أثار البيان الذي أصدره حزب الله جدلاً واسعاً، بعدما شدّد فيه على التمسك بالدستور واتفاق الطائف ورفض الوصاية الخارجية، مؤكداً أنّ “مقاومة الاحتلال والعدوان ليست خروجاً على الدولة ولا افتئاتاً على الدستور”. كما اعتبر الحزب أنّ “لبنان لا يُحمى بالاستقواء بالخارج”، داعياً إلى تطبيق الإصلاحات الدستورية، وفي مقدّمتها إلغاء الطائفية السياسية، ومشدداً على رفض مشاريع التقسيم والفدرلة والتوطين.
إلا أنّ هذا الطرح فتح باب الانتقادات حول علاقة الحزب بالدستور اللبناني، خصوصاً من الجهات التي تعتبر أنّه كان طوال العقود الماضية أحد أبرز الأطراف التي عطّلت مؤسسات الدولة والدستور، وهو ما أشار إليه كلّ من الإعلامي والمحامي جيمي فرنسيس ومدير الأبحاث في “أمم للتوثيق والأبحاث” عباس هدلا، في حديثين خاصين لـ”كواليس”.
وقال الإعلامي والمحامي جيمي فرنسيس في حديث خاص ل"كواليس": لا يمكننا فصل السياق العام الذي نشأ وتكوّن فيه حزب الله في لبنان عما نراه اليوم؛ إذ أصبحت الصورة أكثر وضوحاً في الوقت الحالي، وتبين أن هذا الحزب ما هو إلا فصيل إيراني في لبنان وُجد لخدمة الثورة الإسلامية الإيرانية. وبناءً على ذلك، لا يمكن فصل مسار وتاريخ حزب الله بأكمله عن هذه النقطة التي اتضحت جلياً في هذه المرحلة بالذات.
اضاف فرنسيس،عندما نتحدث عن انتهاك حزب الله للدستور، أو كيفية تعاطيه مع الدستور اللبناني، فمن الطبيعي لأي فصيل تابع لإيران أن يعمل لمصلحة الخارج، فهذا هو هدفه الأساسي. لقد استفاد حزب الله في البداية من ضرب الدستور وتعطيله عقب توقيع اتفاق الطائف في لبنان، والذي أنهى صفحة الحرب الأهلية (أو حرب الآخرين على أرضنا)، مستغلاً التواجد والاحتلال السوري آنذاك؛ حيث تقاطعت مصالح الطرفين على عدم تنفيذ الدستور، أو الالتزام بالروحية التي نص عليها اتفاق الطائف. واستمر هذا الوضع وتوطد حتى عام 2005، في ظل تقاطع مصالح كبير جداً بين الإيرانيين والسوريين.
شدد فرنسيس، عندما اضطر الجيش السوري للخروج من لبنان، وتحرر البلد من الوصاية السورية، استكمل حزب الله ما يمكن تسميته بـ "الاحتلال الإيراني" في لبنان، وأخذ على عاتقه مباشرةً مهمة تعطيل الدستور. ومنذ عام 1990 وحتى اليوم، أي على مدار أكثر من 36 عاماً (إذا ما أردنا إنصاف المرحلة الممتدة حتى نهاية حكومة ميقاتي الأخيرة)، كان حزب الله المستفيد الأكبر من هذا التعطيل المستمر. وفي السنوات الأخيرة، أصبح هو الحاكم المباشر للبلاد، ومع ذلك، لم يتذكر الحزب ولم يسعَ يوماً لإجراء أي إصلاحات أو تفعيل أحكام الدستور، بل على العكس تماماً؛ دأب طوال الفترة الماضية على انتهاك القوانين، وتعطيل أي مبادرة إصلاحية، لكونه لا يقبل بأن تعمل مؤسسات الدولة بانتظام، ولا يطيق سيادة الدستور والقانون في البلاد. لقد كان الحزب العقبة الأساسية التي واجهت فكرة الدستور ومفهوم الدولة اللبنانية برمتها.
كما قال ،لا يمكننا أن ننسى حجم الخروقات الدستورية التي ارتكبها حزب الله وفريقه السياسي؛ بدءاً من إغلاق المجلس النيابي من قِبل الرئيس نبيه بري، مروراً بتعطيل تشكيل الحكومات المتعاقبة، وصولاً إلى تأجيل الانتخابات النيابية والرئاسية. كل هذا المسار التعطيلي خاضه حزب الله وحلفاؤه، وهو ما أدى في النهاية إلى ضرب بنية الدستور.
أضاف فرنسيس إلى ذلك، أن منطلقات حزب الله الأيديولوجية تعارض الدستور والحريات العامة في لبنان، بل وتتعارض مع تركيبة المؤسسات الوطنية؛ فالحزب لم يتقدم حتى بطلب "علم وخبر" يعترف بالخصوصية والتركيبة اللبنانية، وهو لا يعترف بالقوانين ولا بالدستور اللبناني، ففكره وعقيدته يمثلان نقيضاً تاماً للدستور ولأي تنظيم مؤسساتي يخدم فكرة الدولة.
وبحسب فرنسيس،إذا نظرنا إلى ركائز الدولة اللبنانية، نجد أن حزب الله حاول دائماً خلق كيانات وأجهزة رديفة وموازية لمؤسسات الدولة الشرعية وخارجة عن إطار الدستور؛ ففي مقابل الأجهزة الأمنية الرسمية، أنشأ جهازاً أمنياً موازياً. وفي مقابل القطاع المصرفي والحركة النقدية الشرعية، أنشأ حركة مالية موازية (متمثلة في مؤسسة "قرض الحسن"). وتمدد هذا السلوك ليشمل قطاعات أخرى؛ فأنشأ جامعات، ومدارس، ومناهج تعليمية خاصة به، بالإضافة إلى مستشفيات موازية. باختصار، عمل الحزب على استنساخ كافة عناصر ومقومات الدولة اللبنانية ليخلق منها منظومة رديفة تخضع بالكامل لإمرته وسلطته، نظراً لعدم قدرته على الانسجام مع أي رؤية وطنية أخرى لا تدين له بالولاء المطلق.
حزب الله، كما عوّدنا، لم يتغير فيه شيء؛ فطوال عمره لم يكن ليعترف بالقوانين أو بالدستور إلا إذا كانت تخدم مصالحه. لقد كرّس الحزب طوال الفترة الماضية معادلة مفادها: أنه في كل مرة يطالب فيها بنقطة دستورية، تكون هذه النقطة لمصلحته، وفي كل مرة يهمّش فيها الدستور اللبناني ويخرق مواده، يكون ذلك لأن الدستور والقوانين ليست في مصلحته. وما نراه هذه المرة بالذات، ليس إلا تكريساً لهذا المبدأ.
لقد خسر حزب الله كل شيء في البلد، ولم يعد أمامه سوى التمسك بالدستور اللبناني ليحافظ من خلاله على المخالفات التي كان يرتكبها في السابق. ومن هذا الباب بالذات، نراه اليوم يتمسك بالدستور. واللافت أنه يطرح -من خلال كل ما قاله- المواد التي اعتبرها إصلاحية، وهنا يُطرح السؤال: لماذا لم ينفذها ولم يشرع في إتمامها عندما كان هو قابضاً على السلطة والحكم؟
اليوم، وجواباً على بيان حزب الله، فإن الأمر المستتر وغير المعلن في هذا الطرح هو رغبتهم في أن نكون أمام تطبيق للدستور بالأسلوب والنَفَس الذي يرتؤونه هم. ومن هنا جاء طرحهم لموضوع إلغاء الطائفية السياسية كمدخل لما يسمى "العددية" في البلد وحكم العددية.
بحسب اعتقاد فرنسيس، أن جميع القوى السياسية في لبنان معترفة بأن الدستور اللبناني بحاجة إلى تطوير، وبحاجة إلى قراءة متأنية في المرحلة المقبلة لتكون ركيزة للمستقبل، خصوصاً وأن هناك عدة ثغرات واضحة يجب أن تُناقش وتُعالج. ولكن، الجميع في لبنان يجمعون أيضاً على أنه لا مساس بالدستور، ولا يمكن إثارة موضوع تعديله أو تطويره، قبل أن يكون الجميع متساوين في هذا البلد.
ختم، اليوم، لا يمكن القول إن حزب الله متساوٍ مع بقية اللبنانيين؛ والحل الوحيد لتحقيق هذه المساواة يكمن في تسليم سلاحه. فبعد تسليم الحزب لسلاحه، يعود جميع اللبنانيين متساوين في الحقوق والواجبات، وعندها فقط تصبح هناك إمكانية حقيقية لبحث أي موضوع آخر، سواء كان متعلقاً بالدستور، أو بكافة الأمور الأخرى التي تهم البلد.
وفي حديث خاص ل"كواليس" قال عباس هدلا مدير الابحاث في امم للتوثيق والابحاث، منذ رسالته الى المستضعفين في ١٢ شباط ١٩٨٥، لم تعر جماعة حزب الله الدستور اللبناني اي اهتمام على اعتبار انهم ملتزمون بالدولة الاسلامية العامة وليس الدولة اللبنانية، وبالتالي كانت مقاربتهم للبنان ليس ضمن اطار احكام الكيان والدستور بل ارض للجهاد، وخلال مسيرتهم طيلة ٤٠ عام استغل حزب الله الدستور والقوانين اللبنانية وفق اسلوب غب الطلب يستفيد مما يمكن ان يخدم مشروعه ويتغاضى وينكر ما يمكن ان يحرجه او يكون ضد هذا المشروع، ولا بد التذكير كان من الجماعات التي رفضت اتفاق الطائف وهاجمته قبل ان يضطر الى الاذعان بفعل الهيمنة والسيطرة السورية على لبنان.
واضاف هدلا: كان حزب الله منذ دخوله الى البرلمان اللبناني عام ١٩٩٠، لا يهتم ولا يقدم موقف في ما خص الدستور اللبناني واتفاق الطائف وتعديلاته، ولكن كان اهتمامه ينصب حول ايجاد غطاء لعمله الامني والعسكري، وبما ان الدستور اللبناني يتعارض مع هذه الافعال، كان الحل من خلال البيانات الحكومية التي كانت تعطي هذه الجماعة ما تريده تحت ستار المقاومة ومواجهة اسرائيل، معمل على مصادرة ادبيات ومفهومها والبسها لبوسه.
ختم هدلا لم تكن ادبيات حزب الله وافكاره وتوجهاته في يوم من الايام صديقة للدستور اللبناني الذي يعارض هيكليته وتوجهاته، فحاول تثبيت اعراف ومواثيق تناقض نص الدستور وروحه، وحاول تعليق بعض المواد خدمة لمشروعه، وفي النهاية لم يكن حزب الله طيلة مسيرته مساندا للدستور، فكان اما متجاهل او ساعيا الى تعديله، فما الذي افاقه عليه بذكرى مئويته، فهل يسعى للاحتماء بما حاول تجاهله وتغييره طيلة عقود؟