القائمة
11:29 26 أيار 2026

مانشيت | من البنتاغون إلى الجنوب: تشدد في ملفات السلاح والامن والحدود.. و"لوبي" لبناني في واشنطن ضد العهد

لبنان

دخل لبنان مرحلة سياسية وأمنية شديدة الحساسية مع اقتراب واشنطن وطهران من بلورة تفاهم واسع يتجاوز الملف النووي نحو إعادة تنظيم خرائط النفوذ والأمن في المنطقة، وسط مؤشرات متزايدة إلى أن الساحة اللبنانية أصبحت جزءاً أساسياً من أي ترتيبات إقليمية جديدة. فالتقاطع القائم بين التفاوض الأميركي ـ الإيراني، والتصعيد الإسرائيلي، والضغوط الأميركية على الدولة اللبنانية، يضع بيروت أمام لحظة مفصلية قد تعيد صياغة موقعها السياسي والأمني بالكامل. 

لبنان داخل الاتفاق الأميركي ـ الإيراني

المعطيات السياسية المتداولة في بيروت تشير إلى أن أي اتفاق طويل الأمد بين واشنطن وطهران لن يكون منفصلاً عن الملف اللبناني، بل سيشمل بصورة مباشرة مستقبل الحرب جنوباً، وسلاح حزب الله، ودور الدولة اللبنانية في المرحلة المقبلة. وفي هذا السياق، جاء إعلان حزب الله، قبل أيام، تلقي أمينه العام الشيخ نعيم قاسم رسالة من وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تتحدث عن ضرورة إدراج لبنان ضمن أي اتفاق لوقف إطلاق النار، ليؤكد أن طهران نفسها تعتبر الساحة اللبنانية جزءاً من التفاوض المفتوح مع الولايات المتحدة. 

لكن المقاربة الأميركية للبنان تبدو مختلفة تماماً عن المقاربة الإيرانية. فواشنطن تتعامل مع لبنان باعتباره ملفاً أمنياً يحتاج إلى إعادة تنظيم شاملة، وليس مجرد ساحة تهدئة مؤقتة. ولهذا السبب، تنظر الإدارة الأميركية إلى المرحلة الحالية باعتبارها فرصة لإعادة رسم قواعد الاشتباك جنوباً، وتوسيع دور الجيش اللبناني، وتشديد الرقابة على الحدود، ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية لحزب الله.

عقوبات وضغط مباشر على الدولة والجيش

بالتوازي مع المسار التفاوضي، تصاعدت الضغوط الأميركية على المؤسسات الرسمية اللبنانية، بعد العقوبات التي طالت ضباطاً ومسؤولين أمنيين وسياسيين. ووفق أوساط رسمية، علمت "كواليس" أن واشنطن تحاول فرض قواعد جديدة في التعامل مع الجيش اللبناني والمؤسسات الأمنية، تمهيداً لمرحلة أكثر تشدداً في ملفات التنسيق الأمني، والانتشار العسكري، وتنفيذ أي ترتيبات ميدانية مستقبلية مرتبطة بالحرب والسلاح والحدود. 

وفي هذا الإطار، تتحدث دوائر قريبة من رئاسة الجمهورية عن وجود “لوبي لبناني” ناشط داخل واشنطن يعمل ضد العهد والدولة والجيش، ويتقاطع مع شخصيات أميركية متشددة تضغط باتجاه تغيير جذري في المشهد اللبناني. كما تتخوف هذه الدوائر من أن تكون العقوبات الحالية مجرد بداية لمسار أوسع قد يشمل شخصيات إضافية في المؤسستين العسكرية والأمنية، بالتوازي مع محاولات دفع البلاد نحو توترات داخلية بين الجيش وحزب الله. 

مفاوضات واشنطن تحت النار الإسرائيلية

تتجه الأنظار إلى جولات التفاوض الأمنية التي تستضيفها واشنطن بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي، وسط قناعة لبنانية متزايدة بأن إسرائيل تستخدم المفاوضات كغطاء سياسي لمواصلة الضغط العسكري وفرض وقائع جديدة على الأرض. فالتسريبات الصادرة عن اجتماعات “الكابينت” الإسرائيلي خلال الساعات الماضية أظهرت توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى التهديد ضد لبنان، وصولاً إلى التلويح بقصف بيروت والبنى التحتية الحيوية وقطع الكهرباء والسيطرة على منشآت استراتيجية جنوباً. 

وتعتبر الأوساط اللبنانية أن أخطر ما يجري تداوله حالياً هو الحديث الإسرائيلي عن “استثناء أمني” داخل أي اتفاق إقليمي، بما يسمح لتل أبيب بمواصلة العمليات العسكرية داخل لبنان حتى في حال التوصل إلى وقف إطلاق نار شامل. وهذا يعني عملياً تثبيت معادلة جديدة تقوم على تقييد حزب الله عسكرياً، مقابل إبقاء يد إسرائيل مفتوحة أمنياً وميدانياً داخل الأراضي اللبنانية.

حزب الله يرفض الغطاء السياسي

في المقابل، يتعامل حزب الله بحذر شديد مع المسار التفاوضي الحالي، ويرى أن ما يجري يتجاوز وقف الحرب نحو محاولة فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة تستهدف موقعه ودوره العسكري. ولهذا السبب، ترفض قيادة الحزب إعطاء أي غطاء سياسي للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، وتعتبر أن المسار الحالي يحمل طابعاً “تنازلياً” يهدف تدريجياً إلى تفكيك البيئة العسكرية للحزب تحت ضغط الحرب والتفاوض معاً. 

ورغم استمرار قنوات التواصل غير المباشرة بين بعبدا والضاحية، إلا أن الحزب لا يرى اللحظة السياسية مناسبة لعقد لقاءات علنية رفيعة المستوى مع رئيس الجمهورية، خصوصاً في ظل التصعيد الأميركي والعقوبات الأخيرة على شخصيات محسوبة عليه وعلى حركة أمل.

واشنطن تمسك بالإيقاع

المشهد الإقليمي الحالي يعكس بوضوح أن الولايات المتحدة تمسك بإيقاع المرحلة سياسياً وأمنياً. فالمطلوب أميركياً لم يعد فقط تثبيت الهدنة جنوباً، بل الانتقال إلى مرحلة تنفيذية تشمل إعادة ترتيب الواقع الأمني اللبناني بالكامل، سواء عبر توسيع صلاحيات الجيش، أو فرض آليات رقابة وانتشار جديدة، أو إدخال لبنان في ترتيبات أمنية طويلة الأمد مرتبطة بالمشروع الأميركي لـ”الشرق الأوسط الجديد”. 

وفي المقابل، تحاول إسرائيل استثمار هذه اللحظة لفرض أكبر قدر ممكن من الوقائع العسكرية والسياسية على الأرض، مستفيدة من الضغط الأميركي، والانشغال الإيراني بالتفاوض، والانقسام الداخلي اللبناني حول مستقبل سلاح حزب الله ودور الدولة.

لبنان أمام أخطر اختبار

يقف لبنان اليوم أمام واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً منذ سنوات. فالدولة اللبنانية مطالبة بالدخول في ترتيبات أمنية وسياسية جديدة تحت ضغط أميركي وإسرائيلي متزايد، فيما يرفض حزب الله أي مسار يؤدي إلى تحويل سلاحه إلى ملف داخلي خاضع بالكامل للتفاوض والضبط الخارجي.

وبين الضغط العسكري الإسرائيلي، والتفاوض الأميركي ـ الإيراني، والانقسام الداخلي اللبناني، تبدو بيروت أمام اختبار حقيقي يتعلق بمستقبل الدولة نفسها: كيف يمكن منع الحرب والانهيار الداخلي في آن واحد، من دون الذهاب إلى تسوية تُفرض بالكامل من الخارج؟