تشهد الحدود الجنوبية للبنان تصعيداً متسارعاً يعيد إلى الواجهة احتمالات انزلاق الوضع نحو مواجهة أوسع، في ظل ارتفاع منسوب التهديدات الإسرائيلية التي لم تعد تقتصر على الجبهة الجنوبية، بل طالت في الخطاب السياسي والعسكري احتمال توسيع الضربات نحو بيروت والضاحية الجنوبية، بالتوازي مع تصاعد العمليات الميدانية على الأرض. ففي الفترة الأخيرة، نفّذ "حزب الله" سلسلة هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مواقع ومبانٍ في مناطق حدودية شمال إسرائيل، بينها المطلة وكريات شمونة والجليل الغربي. ورغم أن هذه العمليات بقيت ضمن نطاق الجبهة القريبة، فإنها حملت دلالات ميدانية لافتة، خصوصاً بعد إصابة مبنى بشكل مباشر في المطلة، ما أعاد طرح مسألة فعالية الردع في الشمال الإسرائيلي وأثار نقاشاً داخل الدوائر السياسية والأمنية حول طبيعة الرد المحتمل.
جاء خطاب الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم ليضيف بعداً سياسياً واضحاً إلى المشهد التصعيدي، حيث شدد على التمسك بخيار "المقاومة" ورفض أي نقاش حول نزع السلاح قبل تحقق شروط يعتبرها أساسية، وفي مقدمتها انسحاب إسرائيل ووقف الحرب. ولم يقتصر خطابه على ذلك، بل حمل أيضاً تأكيداً على ما وصفه بـ"الوعد بالنصر والتحرير الثالث"، في إشارة إلى مرحلة مقبلة يعتبرها الحزب امتداداً لمسار مواجهاته السابقة. كما هاجم السلطة اللبنانية، ورفض أي مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، مؤكداً أن سلاح الحزب يمثل عنصر قوة للبنان في الدفاع وفي أي مسار تفاوضي، وأن المطالبة بنزعه تهدف إلى إضعاف موقع البلاد.
هذا التزامن بين التصعيد الميداني والخطاب السياسي يعكس محاولة من "حزب الله" لفرض معادلة مزدوجة تقوم على استمرار الضغط العسكري عبر المسيّرات والحدود، مقابل تثبيت رسائل سياسية تؤكد أن أي تسوية داخلية أو خارجية لن تمر عبر المساس بدوره العسكري.
فهرس المحتوى [إظهار]
ضغوط أميركية لمنع توسيع الضربات في بيروت
في المقابل، يبدو أن الولايات المتحدة لا تزال تحاول منع انزلاق المواجهة نحو حرب شاملة. فقد نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصادر مطلعة على جلسة الكابينت الأمني المصغر، أن واشنطن تضغط على إسرائيل لعدم تنفيذ غارات واسعة في بيروت، وحصر أي عمليات داخل العاصمة بعمليات اغتيال محددة فقط. هذا ما يعكس أن الإدارة الأميركية، رغم دعمها لإسرائيل، لا تريد حالياً فتح مواجهة واسعة في لبنان. كما أشارت المعلومات إلى أن أي قرار بتنفيذ هجوم واسع في بيروت يحتاج إلى موافقة مباشرة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ما يعكس حساسية القرار سياسياً وأمنياً، ويؤكد أن إسرائيل لا تزال توازن بين الرغبة في استعادة قوة الردع وبين الخشية من التدحرج إلى حرب مفتوحة.
إسرائيل بين الردع والخشية من الاستنزاف
على الضفة المقابلة، يظهر الموقف الإسرائيلي متأرجحاً بين خيار الردع والتوسع في الرد العسكري. فقد شهدت جلسات الكابينت الأمني المصغر نقاشات حادة حول كيفية التعامل مع هجمات المسيّرات، حيث دعا رئيس الأركان إيال زامير إلى تبني سياسة أكثر هجومية لا تقتصر على الردود المحدودة، بل تشمل استهداف مواقع داخل بيروت وصور بهدف إعادة تشكيل معادلة الردع.
وفي الوقت نفسه، أُشير إلى وجود قيود سياسية تحد من حرية الحركة الإسرائيلية في لبنان، في إشارة إلى تأثير الموقف الأميركي الذي لا يبدو مؤيداً في هذه المرحلة لانزلاق الوضع نحو حرب شاملة، ويفضل إبقاء العمليات ضمن نطاق محدود، مع التركيز على استهدافات دقيقة بدلاً من ضربات واسعة في العاصمة بيروت.
كما برزت داخل الحكومة الإسرائيلية مواقف أكثر تشدداً من بعض الوزراء، حيث دعا وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى تصعيد كبير يشمل خطوات غير تقليدية، فيما طرح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش رؤية أكثر حدة تقوم على ردود قاسية داخل بيروت، بما يعكس وجود تيار سياسي يدفع باتجاه توسيع المواجهة مع لبنان، في مقابل حسابات عسكرية وسياسية أكثر تحفظاً.
تصعيد ميداني واسع في جنوب لبنان
ميدانياً، شهد جنوب لبنان سلسلة غارات إسرائيلية عنيفة منذ ساعات الصباح. فقد نفذت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية ثلاث غارات استهدفت سيارة على أوتوستراد كفررمان – الجرمق، وسيارة على طريق الخردلي بين النبطية ومرجعيون، إضافة إلى دراجة نارية على الطريق نفسه، ما أدى إلى سقوط ضحيتين على الأقل وفق المعلومات الأولية.
وفي وقت لاحق، شن الطيران الحربي الإسرائيلي غارات مكثفة على بلدات القليلة وزبقين وصديقين والمنصوري في قضاء صور، إضافة إلى بلدة كفرا في قضاء بنت جبيل، وبلدات يحمر الشقيف وزوطر الشرقية وحاروف وزبدين في قضاء النبطية.
وكانت بلدة المنصوري الأكثر تعرضاً للقصف، حيث استهدفت بثلاث غارات متتالية، فيما تعرضت القليلة لغارتين متتاليتين، في مؤشر إلى محاولة إسرائيل تكثيف الضغط العسكري على المناطق الجنوبية التي تعتبرها بيئة حاضنة لتحركات "حزب الله".
قصف مدفعي وإنذارات وخسائر ميدانية
إلى جانب الغارات الجوية، سجل قصف مدفعي إسرائيلي طال بلدات ياطر والحنية وصديقين، مع استخدام قنابل الفوسفور الحارقة في قصف بلدة الحنية، كما تم توجيه إنذارات باستهداف مبنى في الرشيدية ومبنيين في برج الشمالي ومبنى في المعشوق في قضاء صور.
وأسفرت غارة إسرائيلية على بلدة الشهابية في قضاء صور عن سقوط ضحيتين، بحسب الوكالة الوطنية للإعلام، فيما أدت غارة على منطقة الجبل الأحمر في حاروف إلى إصابة شخص واحد على الأقل. كذلك، استهدفت غارة محلاً لبيع وصيانة الإطارات على الطريق بين المنصوري وبيوت السياد جنوب صور، ما أدى إلى اشتعال المحل وتصاعد سحب كثيفة من الدخان الأسود.
وفي مرجعيون، استمر القصف المدفعي الإسرائيلي مستهدفاً بلدتي دبين وبلاط، وسط استمرار حالة التوتر والتصعيد على طول الجبهة الجنوبية.
في المحصلة، تبدو الجبهة الجنوبية اللبنانية أمام مرحلة دقيقة تتداخل فيها الرسائل العسكرية مع الحسابات السياسية. فبينما يواصل "حزب الله" الضغط عبر المسيّرات والخطاب السياسي الذي يتحدث عن "النصر والتحرير الثالث"، تحاول إسرائيل رفع مستوى الردع دون الانزلاق إلى حرب واسعة، في ظل دور دولي، خصوصاً أميركياً، يسعى لضبط حدود التصعيد ومنع تحوله إلى مواجهة شاملة.