القائمة
10:28 22 أيار 2026

مانشيت | عقوبات على أبواب المسار الأمني.. الجيش أعد خطته للانتشار جنوبا فماذا عن القرار السياسي؟

لبنان

لم يعد السؤال في لبنان مرتبطًا بإمكان الوصول إلى وقف لإطلاق النار، بل بكيفية الوصول إليه، وتحت أي شروط، ومن سيدفع أثمانه السياسية والأمنية. فالمشهد اللبناني يدخل تدريجيًا مرحلة شديدة الحساسية، تختلط فيها المفاوضات بالضغوط العسكرية، ويتحوّل الجنوب إلى مساحة مفتوحة لإعادة رسم التوازنات بالقوة، فيما تبدو الدولة اللبنانية عاجزة عن الإمساك الكامل بقرار الحرب أو قرار التفاوض في آن واحد.

الاستحقاق المقبل، سواء في الاجتماعات الأمنية داخل البنتاغون أو في المسار السياسي اللاحق، لا يشبه أي جولات تفاوض سابقة بين لبنان وإسرائيل. فتل أبيب لا تتعامل مع ما يجري كمعركة حدودية مؤقتة، بل كفرصة استراتيجية لإعادة صياغة البيئة الأمنية جنوب لبنان وفرض معادلات جديدة تمتد لسنوات. وفي المقابل، يتحرك لبنان من موقع الدفاع ومحاولة احتواء الانهيار، لا من موقع القادر على فرض شروط أو إنتاج تسوية متوازنة.

دولة تحت الضغط… لا تملك رفاهية الانسحاب

المأزق اللبناني الحقيقي لا يكمن فقط في الضغوط الإسرائيلية، بل في طبيعة الوضع الداخلي نفسه. فالحكومة اللبنانية تدرك أن الانسحاب من التفاوض يعني عمليًا منح رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ذريعة كاملة لتوسيع الحرب وتحميل لبنان مسؤولية إفشال المسار السياسي، وهو ما قد يفتح الباب أمام تصعيد أعنف يشمل بيروت والبنى التحتية ومؤسسات الدولة. وفي المقابل، فإن الذهاب إلى التفاوض تحت النار، ومن دون وقف فعلي للعمليات العسكرية، يضع لبنان في موقع الطرف الذي يفاوض من تحت سقف القوة الإسرائيلية.

هذا التناقض يجعل الدولة اللبنانية تبدو كمن يحاول شراء الوقت لا أكثر، بانتظار تبدلات إقليمية أو تدخلات دولية قد تمنع الانفجار الكامل. لكن المشكلة أن الوقت نفسه يعمل لصالح إسرائيل، التي تستثمر كل يوم إضافي في تثبيت وقائع جديدة على الأرض.

لكن العقوبات الاميركية المفاجئة واللافتة في توقيتها امس، وشملت ضباطا في السلك العسكري ونوابا للحزب ووزير سابق، بالإضافة الى شخصيتين أساسيتين من "امل"، أدخلت عاملا جديدا عنى ان الضغوطات الاميركية الفعلية قد بدأت، وذلك على أبواب انطلاق المسار الأمني بعد أيام. 

نتنياهو يفاوض على شكل الجنوب المقبل

في المقابل، يبدو واضحًا أن بنيامين نتنياهو لا يتعامل مع مهلة “الهدنة” باعتبارها وقفًا فعليًا للحرب، بل كغطاء سياسي يسمح له بإكمال العمليات العسكرية بوتيرة مدروسة. فإسرائيل خففت من مستوى التصعيد في بيروت وبعض المناطق الحساسة دوليًا، لكنها كثفت في المقابل الضربات جنوبًا، ووسعت سياسة الإنذارات ومنع العودة والجرف الميداني، في محاولة لخلق منطقة حدودية شبه فارغة سكانيًا وقابلة للتحول إلى شريط أمني طويل الأمد.

بهذه السياسة، يحاول نتنياهو تحقيق هدفين متوازيين: أولًا، منح الإدارة الأميركية انطباعًا بأن هناك مسارًا دبلوماسيًا قائمًا ويستحق الاستمرار، وثانيًا، استغلال الوقت لتغيير الوقائع الميدانية قبل الوصول إلى أي اتفاق نهائي. ولذلك، فإن إسرائيل لا تفاوض على مجرد وقف إطلاق نار، بل على شكل الجنوب اللبناني بعد الحرب، وعلى طبيعة الحضور العسكري والأمني فيه، وعلى مستقبل سلاح حزب الله نفسه.

البنتاغون… معركة ما قبل الطاولة

الاجتماع الأمني المرتقب في البنتاغون لا يختصر الأزمة، لكنه يكشف طبيعتها الحقيقية. فالمعركة الأساسية ليست فقط داخل الاجتماع، بل على جدول الأعمال نفسه. إسرائيل تريد نقل النقاش نحو ترتيبات أمنية دائمة، تشمل مستقبل انتشار الجيش اللبناني، وآليات الرقابة، ومنع إعادة تسلح حزب الله، وربط أي انسحاب تدريجي بضمانات أميركية ودولية صارمة. 

أما لبنان، فيحاول تثبيت أولوية مختلفة تقوم على وقف النار أولًا، ثم الانسحاب الإسرائيلي، ثم الانتقال إلى البحث في أي ترتيبات لاحقة. لكن هذا الطرح يصطدم بانقسام داخلي عميق حول ملف السلاح، وحول ما إذا كانت اللحظة الحالية يجب أن تتحول إلى مدخل لإعادة فتح النقاش الداخلي بشأن “الاستراتيجية الدفاعية” أو “حصر السلاح بيد الدولة”. 

وبحسب المعطيات المتداولة، فإن المؤسسة العسكرية اللبنانية أعدّت مقاربة تقنية تقوم على إبراز قدرة الجيش على الانتشار وضبط الجنوب ضمن إطار سيادة الدولة، إلا أن المؤسسة نفسها تدرك أن القرار النهائي ليس عسكريًا فقط، بل سياسي بامتياز، ويتصل بمستقبل التوازنات الداخلية اللبنانية.

الجنوب يتحول إلى مساحة ضغط مفتوح

على الأرض، تتجاوز الوقائع الميدانية كل الخطابات السياسية. فالقرى الجنوبية تتحول تدريجيًا إلى منطقة معلّقة، لا هي تحت سيادة لبنانية كاملة، ولا هي خاضعة لاحتلال معلن، بل مساحة ضغط مستمر تُدار بالنار والتهجير ومنع العودة. 

إسرائيل تدرك أن الوقائع التي تُفرض الآن قد تصبح جزءًا من أي تسوية مستقبلية، ولذلك تسابق الوقت لتوسيع هامش سيطرتها النارية والأمنية قبل الوصول إلى أي تفاهم. وهذا ما يجعل “الهدنة” أقرب إلى إدارة منخفضة الوتيرة للحرب، لا إلى مسار حقيقي نحو التهدئة.

حزب الله… تثبيت معادلة الانسحاب أولًا

في المقابل، يحاول حزب الله إعادة ترتيب النقاش سياسيًا ودبلوماسيًا، عبر التأكيد أن أي حديث عن مستقبل السلاح لا يمكن أن يسبق وقف العدوان والانسحاب الإسرائيلي وعودة السكان إلى قراهم. ولذلك جاءت المذكرة التي وجّهتها كتلة “الوفاء للمقاومة” إلى السفارات العربية والأجنبية في سياق محاولة تثبيت رواية الحزب أمام الخارج، وتأكيد أن إسرائيل هي من يخرق التفاهمات ويمنع تثبيت أي تهدئة فعلية. 

لكن هذا الطرح يصطدم بمقاربة داخلية وخارجية مختلفة تعتبر أن استمرار وجود سلاح الحزب خارج الدولة هو أحد أسباب استمرار الأزمة وتعقيد قدرة لبنان على التفاوض كدولة ذات سيادة كاملة. وبين المقاربتين، يبقى المشهد اللبناني معلقًا بين منطق “السلاح كحماية” ومنطق “السلاح كمشكلة”، من دون قدرة فعلية على إنتاج تسوية داخلية نهائية. 

إيران تدخل من بوابة التفاوض الإقليمي

في الخلفية، لا تبدو طهران مستعدة لفصل الساحة اللبنانية عن شبكة التفاوض الإقليمي الأوسع. فإيران تعتبر أن حزب الله جزء من منظومة نفوذها الإقليمية، وأن أي محاولة لعزله عن مسار التفاوض أو حصر الملف بالدولة اللبنانية وحدها تمثل استهدافًا مباشرًا لدورها في المنطقة. 

ومن هنا، تأتي التحركات الخارجية وفتح قنوات التواصل مع أكثر من عاصمة، في إطار محاولة منع تحويل لبنان إلى ساحة تسوية منفصلة عن الملفات الإقليمية الكبرى، سواء المتعلقة بالمفاوضات الأميركية – الإيرانية أو بالتوازنات الجديدة في المنطقة. كما أن الحديث عن دعم مالي إيراني للحزب في مرحلة ما بعد الحرب يعكس إدراكًا مبكرًا بأن المعركة المقبلة لن تكون عسكرية فقط، بل اقتصادية ومالية وسياسية أيضًا. 

ما بعد الحرب… صراع على شكل الدولة

في النهاية، لا تبدو المعركة الفعلية مرتبطة فقط بوقف إطلاق النار، بل بما سيأتي بعده. فواشنطن تحاول ترجمة الضغط العسكري إلى ترتيبات سياسية وأمنية طويلة الأمد، وإسرائيل تريد فرض جنوب جديد يحدّ من قدرة حزب الله على إعادة بناء حضوره العسكري، فيما يحاول الحزب تحويل أي تهدئة إلى مدخل لنقاش داخلي تحت عنوان “الاستراتيجية الدفاعية” لا “نزع السلاح”. 

أما الدولة اللبنانية، فتقف في المنتصف، عاجزة عن تحدي الضغوط الدولية بالكامل، وغير قادرة في الوقت نفسه على الدخول في مواجهة داخلية مفتوحة حول السلاح. وبين هذين الحدّين، يبدو لبنان كأنه يدخل أخطر مرحلة تفاوضية في تاريخه الحديث، فيما تُرسم خرائط الجنوب بالنار قبل أن تُرسم على طاولات السياسة.