القائمة
08:49 21 أيار 2026

بين الضغط الأمني وحدود التطبيع: لبنان أمام مسار أميركي متسارع

لبنان

بعيداً من العناوين المعلنة حول تثبيت وقف النار وترتيبات الجنوب، تدور في الكواليس السياسية مفاوضات أكثر حساسية تتجاوز الأمن إلى محاولة إعادة رسم شكل العلاقة بين لبنان وإسرائيل. فخلف الحديث عن الهدنة الحالية والمفاوضات العسكرية، يظهر مسار ضغط أميركي متدرّج يسعى إلى انتزاع تنازلات أمنية وتشريعية من الدولة اللبنانية، تبدأ من ملف السلاح وتتجه نحو قانون مقاطعة إسرائيل.

إن الضغط الأميركي لإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل لا يمكن فصله عن مسار الضغوط السياسية والأمنية المتصاعد على الدولة اللبنانية، وتحديداً في ظل هدنة الـ45 يوماً الحالية التي منحت المفاوضات أبعاداً أكثر حرجاً. فكما يجري الضغط لدفع المسار الأمني المرتبط بترتيبات محطة 29 أيار المفصلية في البنتاغون، والتي تهدف إلى إطلاق آلية تنسيق عسكرية مباشرة وحصر السلاح بيد الدولة، هناك في المقابل محاولة لفرض خطوات سياسية تسبق أي اتفاقات نهائية، سواء عبر المطالبة بإلغاء قانون المقاطعة أو عبر الدفع نحو توسيع التواصل المباشر بين لبنان وإسرائيل، والمتمثل بطرح فكرة لقاء الرئيس جوزاف عون ببنيامين نتنياهو.

وفي السياق الأوسع، هناك استعجال أميركي واضح لتحقيق اختراق سياسي سريع، في ظل قناعة بأن المسار الأمني قد يحقق نتائج ملموسة على الأرض بوتيرة أسرع من المسار السياسي الذي يحتاج وقتاً أطول وتوافقات أوسع. هذا التوجه ينعكس في تكثيف الضغط باتجاه خطوات إجرائية تُقدَّم كإنجازات مرحلية بدل انتظار تسوية شاملة.

كما أن تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب عقب الجولة الثانية من المفاوضات التمهيدية المباشرة في واشنطن جاء ليزيد منسوب الضغط السياسي؛ إذ عبّر عن مفاجأته بوجود قانون لبناني يُجرّم التواصل مع إسرائيل واصفاً إياه بـ"القانون المجنون" (Crazy)، متعهداً بالعمل على إلغائه كإجراء لبناء الثقة وكسر القيود أمام التسوية الشاملة. 

وبحسب مصدر رئاسي رسمي لـ"النهار"، لا نية لبنانية رسمية لإلغاء قانون المقاطعة، لأنّه لا يُعدّ نصاً عادياً، بل يشكّل قانوناً صادراً بتشريع من مجلس النواب اللبناني ومنسجماً مع قرارات جامعة الدول العربية، مع تأكيد عدم ترجيح إلغائه حتى في حال تطور مسار المفاوضات.

وفي خلفية المشهد، يُنظر إلى هذا الضغط على أنه مرتبط أيضاً باعتبارات سياسية داخلية أميركية وإسرائيلية، إذ يسعى ترامب إلى تسجيل إنجازات سريعة قبيل الاستحقاقات الداخلية، بما في ذلك انتخابات الكونغرس النصفية في تشرين الثاني، فيما يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضغوطاً سياسية متزايدة في الداخل، في ظل مؤشرات على إمكانية الذهاب إلى انتخابات مبكرة بعد التطورات السياسية الأخيرة داخل الكنيست والتصويت لاول مرة لحله.

تكشف هذه المعطيات أن الملف المتداول في الغرف المغلقة لا يقتصر على سلاح حزب الله والترتيبات الحدودية فحسب، بل يتوسّع ليطال مطالب سياسية جوهرية ترتبط بطبيعة الصراع؛ فواشنطن لا تكتفي بالضغط في الملف الميداني، بل تحاول استغلال التهدئة المؤقتة للدفع نحو خطوات تطبيعية تدريجية تسبق أي تسويات كبرى، ما يضع الدولة اللبنانية أمام مواجهة دبلوماسية وقانونية موازية لملف السلاح والحدود.