في محاولة السعي لإعادة تفعيل الدور الاقتصادي لمرفأ بيروت بعد سنوات من التراجع والأضرار التي خلّفها انفجار الرابع من آب، تعود مشاريع تطوير المرفأ إلى الواجهة من خلال خطط تشمل تشغيل أجهزة الـScanner لتعزيز الرقابة الجمركية ومكافحة التهريب، إلى جانب مشروع إعادة بناء الإهراءات وإنشاء أخرى حديثة بتمويل خارجي. هذه التحسينات والتطويرات بدأت تتسارع بعد استلام رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لمرفأ بيروت مروان النفّي مهامه، وسط حديث عن ارتفاع ملحوظ في الإيرادات. وبحسب تقارير إعلامية، يُتوقع أن تصل إيرادات المرفأ مع نهاية العام إلى نحو 150 مليون دولار، بعدما كانت لا تتجاوز، وفق ما أعلن وزير الأشغال العامة والنقل السابق علي حمية في آب 2022، نحو 13 مليوناً و500 ألف دولار فقط، ما يعكس حجم التحوّل الذي يشهده المرفأ على مستوى الإدارة والتشغيل والإصلاحات. وتُعوّل الدولة على هذه المشاريع لإعادة تنشيط الحركة التجارية وتحسين إيرادات المرفأ واستعادة موقعه كمرفق اقتصادي أساسي للبنان.
وفي هذا السياق، جاءت الجولة الميدانية التي نُظّمت امس بدعوة من رئيس لجنة الاقتصاد الوطني والتجارة والصناعة والتخطيط النيابية فريد البستاني، بمشاركة وزير الاقتصاد عامر البساط ورئيس لجنة الأشغال العامة والطاقة النيابية سجيع عطية وعدد من النواب والمسؤولين، لتؤكد أن مرفأ بيروت بات مجدداً في قلب الخطط الاقتصادية المطروحة للدولة اللبنانية.
وشملت الجولة الإهراءات وأجهزة الـScanner الخاصة بالكشف على الحاويات، حيث شدّد البستاني على أن مرفأ بيروت ليس مجرد منشأة تشغيلية، بل مشروع حيوي مرتبط بقيام الدولة اللبنانية نفسها وتحريك الاقتصاد الوطني. واعتبر أن ملف الإهراءات يحمل بعداً وطنياً وإنسانياً مؤلماً بعد انفجار المرفأ، إلا أن المرحلة الحالية تتطلب أيضاً رؤية استثمارية وتنموية تسمح بإعادة إحياء المرفأ وتطويره بما يواكب المعايير الحديثة.
من جهته، أوضح البساط أن النقاش تناول ملف الإهراءات القديمة والجديدة، لافتاً إلى أن الإهراءات الحالية تحوّلت إلى رمز وطني وذاكرة جماعية مرتبطة بالمأساة التي عاشها اللبنانيون. وأشار إلى وجود توجه لتحويلها إلى معلم حضاري يحفظ الذاكرة التاريخية، بالتوازي مع الحفاظ على استمرارية عمل المرفأ وتطوير بنيته التشغيلية وفق شروط هندسية وبيئية مدروسة.
وفي موازاة ذلك، كشف وزير الاقتصاد أن إدارة مرفأ بيروت خصصت أرضاً جديدة لوزارة الاقتصاد بهدف إنشاء إهراءات حديثة، وقد انطلقت الدراسات التقنية الخاصة بالمشروع بتمويل من هبة كويتية، على أن يتم التحضير لإطلاق المناقصة قبل نهاية العام الجاري. ويُنظر إلى هذا المشروع كخطوة أساسية لإعادة تعزيز الأمن الغذائي وتحسين قدرات التخزين والاستيراد في لبنان.
بدوره، شدّد عطية على ضرورة وضع مخطط توجيهي شامل لمرفأ بيروت يترافق مع خطة اقتصادية متكاملة، معتبراً أن الحفاظ على الإهراءات كشاهد على الكارثة يجب أن يسير بالتوازي مع إطلاق مشاريع تطويرية تعزز إنتاجية المرفأ وترفع إيراداته. كما أكد أن المرفأ يحتاج إلى إدارة موحدة وإصلاحات جدية للحد من الهدر وتحسين الأداء المالي والإداري.
أما في الشق المرتبط بالرقابة الجمركية، فقد ركّزت الجولة على أجهزة السكانر الخاصة بالكشف على الحاويات، حيث أشاد البستاني بجهود وزارة المال والإدارة الجمركية في تفعيل عمليات التفتيش، مؤكداً أن جميع المستوعبات باتت تخضع للفحص، الأمر الذي يساهم في مكافحة التهريب وتعزيز إيرادات الدولة. كذلك اعتبر عطية أن تشغيل هذه الأجهزة يشكل خطوة أساسية لتطوير العمل الجمركي وتحسين مستوى الرقابة داخل المرفأ.
وتعكس هذه التحركات الرسمية محاولة جدية لإعادة تقديم مرفأ بيروت كمرفق اقتصادي استراتيجي قادر على استعادة جزء من دوره الإقليمي، خصوصاً في ظل الحديث عن مشاريع تطويرية وإصلاحات إدارية وتقنية يُفترض أن ترفع من فعاليته وإنتاجيته. وبين الحفاظ على ذاكرة الانفجار والانطلاق نحو مشاريع إنمائية جديدة، يبقى التحدي الأساسي أمام الدولة اللبنانية في تحويل هذه الوعود إلى خطوات تنفيذية فعلية تعيد الثقة بالمرفأ وبقدرة المؤسسات على إدارة أحد أهم الشرايين الاقتصادية في البلاد.