القائمة
10:25 13 أيار 2026

مانشيت | بري يقاطع بعبدا رفضا للتعدي على صلاحياته: لبنان يستأنف التفاوض باشتباك حول "العفو العام"

لبنان

لم يعد ملف العفو العام في لبنان مجرد نقاش قانوني أو إنساني يتعلق بالاكتظاظ داخل السجون، بل تحوّل خلال الساعات الأخيرة إلى واحدة من أكثر ساحات الاشتباك السياسي والطائفي حساسية، بعدما انفجر التوتر بين بعبدا وعين التينة على خلفية دخول رئيس الجمهورية جوزيف عون مباشرة على خط التشريع، بالتزامن مع تصاعد الضغط السني في ملف السجناء الإسلاميين، ووسط مرحلة إقليمية شديدة التعقيد يدخل فيها لبنان إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل تحت القصف والتهديد والتصعيد العسكري المفتوح.

فالبلد الذي يعيش عملياً بين هدنة هشة وحرب متدرجة في الجنوب والبقاع، وجد نفسه فجأة أمام أزمة داخلية جديدة عنوانها: من يملك قرار العفو؟ ومن يرسم حدود التسوية الداخلية المقبلة؟ وهل يتحول ملف السجون إلى مدخل لإعادة إنتاج التوازنات اللبنانية في مرحلة ما بعد الحرب؟

بعبدا تدخل على خط التشريع… وعين التينة ترد بالمقاطعة

في الشكل، بدا الأمر وكأنه اجتماع عادي في قصر بعبدا لمناقشة اقتراح قانون العفو العام. لكن في الجوهر، كان الاجتماع بمثابة إعلان سياسي واضح بأن رئيس الجمهورية قرر التدخل مباشرة في واحدة من أكثر الملفات حساسية على المستوى الأمني والطائفي والسياسي. 

فقد دعا عون اللجنة المصغّرة المنبثقة عن لجان الإدارة والعدل والدفاع والمال والموازنة إلى اجتماع موسع في القصر الجمهوري، بحضور وزير الدفاع ميشال منسى وعدد من النواب، قبل ساعات فقط من الجلسة التي كان يُفترض أن تحسم مصير القانون داخل المجلس النيابي. عملياً، قرأت عين التينة الخطوة باعتبارها محاولة واضحة لنقل الملف من البرلمان إلى بعبدا، أو على الأقل وضع سقوف سياسية وأمنية مسبقة فوق النقاش التشريعي. 

ولذلك لم يكن غياب النائب علي حسن خليل عن الاجتماع تفصيلاً ثانوياً، بل رسالة سياسية مباشرة من نبيه بري. فالرجل الذي يُعتبر الممسك الأساسي بخيوط الملف داخل المجلس النيابي، تعمّد عدم الحضور، رغم الاتصالات التي سبقت اللقاء، فيما جرى تبرير غياب النائب أشرف بيضون بوعكة صحية، في خطوة أوحت بوضوح أنّ عين التينة غير مرتاحة إطلاقاً لمسار الأمور. 

وبحسب المعطيات السياسية، فإنّ بري يعتبر أنّ صلاحية إقرار العفو العام تعود حصراً للمجلس النيابي، وأنّ دخول رئاسة الجمهورية على الخط بهذا الشكل يمثّل مساساً بالتوازنات الدستورية والسياسية، خصوصاً في ملف شديد الحساسية يتداخل فيه الأمن والطائفية والانتخابات والشارع السني وملفات الإسلاميين.

خطوط عون الحمراء: الجيش أولاً

لكن ما رفع مستوى التوتر أكثر، لم يكن فقط شكل التدخل الرئاسي، بل مضمون الرسائل التي حملها عون إلى النواب.

فالرئيس اللبناني كان واضحاً في رفضه المطلق لأي صيغة عفو تشمل أشخاصاً متهمين بالقتال ضد الجيش اللبناني أو بالتورط بدماء العسكريين، واضعاً “هيبة المؤسسة العسكرية” كخط أحمر فوق أي تسوية سياسية أو طائفية. 

وبحسب أجواء اللقاء، فإنّ عون أراد تثبيت معادلة أساسية: يمكن البحث في تخفيض العقوبات أو معالجة بعض الملفات الإنسانية، لكن ليس على حساب صورة الجيش أو موقعه، خصوصاً في لحظة إقليمية شديدة الخطورة يُعاد فيها طرح مسألة السلاح والدولة والأمن الداخلي على مستوى المنطقة كلها.

ومن هنا، فإنّ النقاش داخل اللجان لم يعد محصوراً بالعفو نفسه، بل توسّع إلى ملفات شديدة الحساسية، مثل تخفيض أحكام الإعدام والمؤبدات، وتطبيق الحكم الأشد، وإعادة النظر ببعض العقوبات الطويلة. وقد جرى التداول بإمكانية تخفيض حكم الإعدام من 25 إلى 20 سنة، والمؤبد من 20 إلى 18 سنة، من دون المساس بالسنة السجنية أو إسقاط الأحكام الكبرى. 

الحراك السني: ملف السجون لم يعد قابلاً للتأجيل

في المقابل، كان المشهد السني يتحرك بوتيرة غير مسبوقة.

فخلال الأيام الماضية، شهدت بيروت سلسلة اجتماعات ولقاءات مكثفة جمعت نواباً سنّة ومرجعيات دينية وشخصيات سياسية، انتهت إلى تثبيت موقف موحد يعتبر أنّ ملف العفو العام لم يعد يحتمل المزيد من المماطلة أو التعطيل. 

الاجتماع الموسع الذي عُقد في فندق “فينيسيا” لم يكن عادياً، لا من حيث التمثيل ولا من حيث الرسائل السياسية. فقد جمع شخصيات متباعدة سياسياً، لكنّها التقت على عنوان واحد: ضرورة إقرار عفو عام “عادل ومتوازن” يعالج ما تعتبره البيئة السنية “مظلومية متراكمة” داخل السجون اللبنانية. 

ثم جاء لقاء الوفد الشمالي مع رئيس الحكومة نواف سلام ليؤكد أنّ الملف دخل عملياً مرحلة الضغط السياسي المباشر. وخلال الاجتماع، حضرت بقوة قضية السجناء الإسلاميين، إلى جانب التحذير من الأوضاع الكارثية داخل السجون، حيث يتجاوز عدد السجناء 8600 في مؤسسات لا تتسع أصلاً لأكثر من 3500. 

وفي هذا السياق، جاءت مواقف النائب أشرف ريفي لتكشف حجم التوتر القائم داخل البيئة السنية.

فالرجل تعمّد إرسال رسائل متعددة الاتجاهات: دفاع واضح عن الجيش اللبناني ورفض وضع السنّة بمواجهته، مقابل تحميل جهات سياسية مسؤولية تعطيل العفو ورفع الجلسات “من تحت الطاولة”. كما ذهب أبعد من ذلك عندما استحضر ما جرى في سوريا بعد فتح السجون، محذراً من “هزات ارتدادية” قد تصيب لبنان إذا استمر تجاهل الملف. 

واللافت أنّ ريفي حرص على إظهار وجود وحدة سنية واسعة خلف الملف، تمتد من دار الفتوى إلى رئاسة الحكومة والنواب والمرجعيات الدينية، في محاولة واضحة لمنع تصوير القضية باعتبارها مواجهة بين السنّة والجيش، أو بين الإسلاميين والدولة.

لبنان يفاوض بالحديد والمسيرات

وفي خلفية هذا الاشتباك الداخلي، يدخل لبنان واحدة من أخطر المراحل الإقليمية منذ سنوات.

ففي الجنوب والبقاع، لا تتصرف إسرائيل باعتبار أنّ هناك هدنة قائمة، بل باعتبار أنّ المرحلة الحالية فرصة لإعادة رسم الوقائع العسكرية بالقوة. الإنذارات المتلاحقة، والتوغل شمال الليطاني، وعمليات النسف والتهجير، والغارات اليومية، كلها تؤكد أنّ تل أبيب تفاوض بالنار لا بالدبلوماسية. 

وفي الوقت نفسه، تستعد واشنطن لإطلاق الجولة الثالثة من المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، وسط ضغوط أميركية متزايدة لدفع بيروت نحو ترتيبات سياسية وأمنية أوسع، تشمل الحدود والسلاح ودور الدولة اللبنانية جنوباً.

لكن المفارقة الأخطر أنّ لبنان يدخل هذا المسار التفاوضي فيما داخله يتفكك سياسياً. فالعفو العام الذي كان يُفترض أن يكون معالجة إنسانية لأزمة السجون، تحوّل فجأة إلى مرآة كاملة لكل التناقضات اللبنانية: صراع صلاحيات بين بعبدا وعين التينة، قلق سني متصاعد، إعادة تموضع للقوى السياسية، وتوازنات إقليمية جديدة تُطبخ بين واشنطن وطهران والرياض وتل أبيب.

ولهذا، فإنّ ما يجري اليوم يتجاوز بكثير مجرد خلاف على قانون أو جلسة نيابية. فلبنان يقف عملياً عند لحظة إعادة تشكيل كاملة، حيث تختلط الحرب بالتفاوض، والطائفية بالأمن، والسجون بالتوازنات الإقليمية، فيما يحاول كل طرف تثبيت موقعه قبل أن تتضح صورة الشرق الأوسط الجديد الذي يُعاد رسمه بالنار والسياسة معاً.