في وقت تتفاقم فيه أزمة النزوح الداخلي مع استمرار التصعيد الإسرائيلي، برز مشهد لافت في بيروت تمثّل برفض عدد من النازحين المتواجدين في منطقة البيال الانتقال إلى مركز الإيواء الكبير في المدينة الرياضية، رغم الظروف القاسية التي يعيشونها في خيم مكشوفة في الهواء الطلق، تفتقر إلى الحد الأدنى من الخدمات والحماية. هذا الرفض، الذي يتكرر رغم الشكاوى من البرد وغياب التجهيزات، يثير تساؤلات حول الأسباب الفعلية التي تدفع البعض إلى التمسك بالبقاء في العراء بدل الانتقال إلى مركز مجهّز نسبيًا لاستقبالهم.
وقد انعكس هذا التوتر ميدانيًا اليوم من خلال اعتراضات حالت دون استكمال وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد جولتها في البيال، بعدما كانت قد زارت المدينة الرياضية لتفقد أوضاع النازحين هناك. وخلال الجولة، شددت الوزيرة على أن الموجودين في المدينة الرياضية "هم تحت حماية الجيش اللبناني"، قبل أن تسعى للانتقال إلى البيال. إلا أنّ الاحتجاجات والاعتراضات التي شهدها المكان، بحسب تقارير إعلامية ومعلومات متداولة، دفعتها إلى إلغاء الجزء الثاني من جولتها وعدم التوجه إلى الموقع.
ورغم أنّ بعض النازحين يعبّرون عن مخاوف وشكاوى تتعلق بغياب الخصوصية داخل مركز المدينة الرياضية، وهي مخاوف قد تكون محقة في ظل الاكتظاظ والظروف الاستثنائية، ولكن الوزيرة قدّمت تطمينات بشأن الأوضاع داخل المركز وأكّدت السيد أنّ "المدينة الرياضية توفر ظروفاً أفضل للعائلات"، مُشيرة إلى أنّ "الخدمات الأساسية من طعام وطبابة وحمامات مؤمنة ومتوفرة بشكل كامل".،إلا أنّ جزءًا من الاعتراضات بدا مرتبطًا أيضًا بإجراءات التنظيم المعتمدة داخل المركز، وخصوصًا تسجيل الأسماء عند الدخول والخروج . هذا الأمر أثار تحفظات لدى بعض الموجودين في البيال، ما فتح الباب أمام تساؤلات حول أسباب رفض إجراءات يفترض أنها تهدف إلى ضبط الأمن وتنظيم عملية الإيواء، لا سيما في ظل الظروف الحساسة التي تمر بها البلاد.
وفي هذا السياق، ناشدت الوزيرة الأهالي المتواجدين في البيال التوجه إلى المدينة الرياضية، معتبرة أنّ "بعض الاعتراضات ناتجة عن نقص في المعلومات حول الواقع الفعلي في الموقع"، في إشارة إلى أنّ صورة المركز المتداولة لدى البعض قد لا تعكس حقيقة التجهيزات والخدمات الموجودة فيه.
وكانت الحكومة قد عملت منذ فترة على تجهيز المدينة الرياضية لاستقبال أعداد كبيرة من النازحين وفي هذا الإطار، كان تجهيز الغرف الموجودة تحت المدرجات بعوازل، وتأمين خدمات المياه وشروط النظافة لكل قسم، بما يسمح باستخدام المكان كمركز إيواء منظم. كما أشار إلى أنّ "وضع عشرة آلاف خيمة داخل ملعب المدينة الرياضية ليس حلًا"، لأن ذلك سيخلق تحديات كبيرة على مستوى الخدمات والصحة والسلامة.
وتعكس الأرقام الرسمية حجم الأزمة المتفاقمة، إذ تشير البيانات إلى أنّ إجمالي عدد النازحين المسجلين ذاتيًا بلغ أكثر من مليون و49 ألف نازح، بينهم أكثر من 132 ألفًا داخل 622 مركز إيواء موزعين على مختلف المناطق. هذه الأرقام تطرح بدورها أسئلة إضافية حول أسباب استمرار بعض العائلات بالبقاء في الشوارع أو في خيم غير مجهزة، رغم توفر مراكز تؤمن حدًا أدنى من الخدمات الأساسية.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل المخاوف الحقيقية التي تدفع بعض النازحين إلى التردد، سواء لناحية الخصوصية أو الهواجس الأمنية، خصوصًا أنّ المدينة الرياضية تقع في منطقة قريبة نسبيًا من الضاحية الجنوبية والجناح التي شهدت غارات إسرائيلية سابقة. إلا أنّ استمرار الاعتراض على إجراءات التنظيم، ورفض الانتقال بشكل كامل رغم الظروف الصعبة في البيال، يبقي المشهد محاطًا بعلامات استفهام تتجاوز فقط مسألة الخدمات أو البنية التحتية.