القائمة
10:32 07 أيار 2026

مانشيت | عودة الاغتيالات الى الضاحية.. وتناغم بين عون وسلام على مفاوضات "منضبطة"

وراء الكواليس

كشفت مصادر سياسية وأمنية لـ "كواليس"، أن لبنان دخل أخطر المراحل الأمنية، في لحظة تختلط فيها الغارات الإسرائيلية بالمفاوضات الدولية، وتتداخل فيها الضغوط الأميركية مع الانقسامات الداخلية، فيما تتحرك المنطقة بأكملها نحو إعادة رسم توازنات جديدة تبدأ من الجنوب اللبناني ولا تنتهي عند دمشق والقاهرة. 

وبحسب المصادر، فإن المشهد اللبناني لم يعد مجرد أزمة داخلية مرتبطة بالحرب أو بالسلاح أو بالانهيار المالي، بل بات جزءًا من إعادة تشكيل إقليمية أوسع، تحاول فيها إسرائيل فرض وقائع ميدانية بالقوة، بينما تسعى واشنطن إلى فتح مسار تفاوضي جديد تحت عنوان “الترتيبات الأمنية” و”إعادة الاستقرار”. 

وأكدت المصادر لـ"كواليس" أن الغارات الإسرائيلية على بيروت والبقاع والجنوب، وما رافقها من إنذارات بالإخلاء وحركة نزوح جديدة نحو بيروت وصيدا، كشفت أن تل أبيب تتعامل مع المرحلة الحالية باعتبارها فرصة لتوسيع هامش الضغط العسكري على لبنان، بالتزامن مع الدفع نحو مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع الدولة اللبنانية.

ففي الوقت الذي كانت فيه الأوساط السياسية تتحدث عن ترتيبات لوقف إطلاق النار ومسار تفاوضي برعاية أميركية، كانت الطائرات الإسرائيلية تستهدف شققًا سكنية ومنازل وبلدات مأهولة، في محاولة واضحة لتثبيت معادلة تقوم على فرض شروط التفاوض بالنار لا بالدبلوماسية. 

الاستهداف الإسرائيلي في بيروت، والذي قالت تل أبيب إنه استهدف قائد قوة “الرضوان”، ترافق مع رسائل سياسية مباشرة أطلقها رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في إشارة إلى أن إسرائيل لا ترى أي خطوط حمراء في هذه المرحلة، وأنها مستعدة لنقل المواجهة إلى عمق المناطق المدنية اللبنانية إذا اقتضت حساباتها العسكرية والسياسية ذلك. وفي الجنوب، بدا المشهد أكثر خطورة مع استمرار الغارات والتهديدات وتحويل مساحات واسعة من القرى إلى مناطق ضغط أمني ونفسي مفتوح. 

واشنطن تفتح باب التفاوض… وإسرائيل تفاوض من داخل الميدان

وبحسب معلومات حصلت عليها "كواليس"، تتقدّم التحضيرات لمسار تفاوضي مرتقب بين لبنان وإسرائيل في الولايات المتحدة، وسط محاولة لبنانية واضحة للفصل بين التفاوض الأمني وبين أي انتقال سياسي نحو التطبيع. وتشير المعلومات إلى أن اختيار السفير سيمون كرم لتمثيل لبنان في المفاوضات المقبلة لا يحمل بعدًا بروتوكوليًا فحسب، بل يعكس قرارًا من رئاسة الجمهورية بإبقاء المسار ضمن حدود أمنية ودبلوماسية ضيقة، ومنع تحوله إلى منصة سياسية مفتوحة أو لقاءات مباشرة بين المسؤولين اللبنانيين والإسرائيليين. 

وتقول المصادر إن بعبدا تحاول إدارة توازن دقيق بين الضغوط الأميركية والموقف الداخلي اللبناني. فالرئيس جوزيف عون يدرك أن واشنطن تدفع بقوة نحو مسار تفاوضي أوسع قد يتجاوز تثبيت وقف إطلاق النار إلى ترتيبات سياسية وأمنية طويلة الأمد، لكنه في الوقت نفسه يحاول تجنب أي خطوة يمكن أن تُفسَّر داخليًا على أنها انتقال مباشر نحو التطبيع مع إسرائيل، خصوصًا في ظل الانقسام اللبناني الحاد حول هذا الملف.

في المقابل، تؤكد المصادر لـ "كواليس" أن إسرائيل تتعامل مع المفاوضات باعتبارها جزءًا من الحرب نفسها. فبينما يتحدث لبنان عن وقف الخروقات والانسحاب الإسرائيلي، تواصل تل أبيب توسيع عملياتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية، وتتعامل مع الجنوب باعتباره مساحة مفتوحة لإعادة رسم قواعد الاشتباك. والرسالة الإسرائيلية، وفق المصادر، واضحة: لا مفاوضات من موقع الندّية، بل من موقع التفوق العسكري والضغط الميداني.

عين التينة والسراي: إدارة أزمة لا إنتاج تسوية

سياسيًا، قالت مصادر حكومية لـ "كواليس" إن السلطة اللبنانية تتحرك على وقع محاولة احتواء الانفجار السياسي والأمني. واعتبرت أن لقاء رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام في عين التينة جاء في لحظة شديدة التعقيد، حيث تتداخل الحرب مع ملفات النزوح والعفو العام والانقسام حول مستقبل سلاح حزب الله وطبيعة العلاقة مع سوريا والولايات المتحدة. 

وأضافت المصادر أن اركان الدولة اللبنانية تبدو وكأنها تدير الأزمة لا أكثر، من دون امتلاك رؤية متكاملة لمسار المرحلة المقبلة. فالنقاش حول العفو العام فجّر توترًا داخل اللجان النيابية، فيما تتزايد المخاوف من أن تتحول الحرب والتفاوض إلى مدخل لإعادة خلط التوازنات الداخلية والطائفية والسياسية في البلاد.

أما رئيس الحكومة نواف سلام، فبحسب أوساط مطلعة تحدثت لـ "كواليس"، يحاول الدفع باتجاه خطاب يقوم على “السلام لا التطبيع”، مع التركيز على حصرية السلاح وبسط سلطة الدولة، لكنه يواجه معادلة معقدة: لا قدرة للدولة على فرض تغييرات داخلية جذرية تحت النار، ولا إمكانية للذهاب إلى تسوية خارجية من دون تفاهم داخلي واسع، وهو ما يبدو غائبًا حتى الآن.

القضاء يعيد فتح جراح عبرا: براءة شاكر والأسير

قضائيًا، شكّل الحكم الصادر عن محكمة الجنايات في بيروت ببراءة الفنان فضل شاكر والشيخ أحمد الأسير في قضية محاولة قتل مسؤول “سرايا المقاومة” هلال حمود، واحدة من أكثر المحطات إثارة للجدل منذ سنوات. وبحسب مصادر قضائية تحدثت لـ "كواليس"، فإن الحكم، الذي صدر بالأكثرية لا بالإجماع، أعاد إلى الواجهة ملفات مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ لبنان الحديث، مرتبطة بأحداث عبرا والصراع الذي انفجر آنذاك بين جماعة الأسير وحزب الله. 

وأكدت المصادر أن البراءة لا تعني الإفراج الفوري عن شاكر أو الأسير بسبب وجود ملفات أخرى أمام المحكمة العسكرية، إلا أن القرار يحمل دلالات سياسية وقضائية أوسع، خصوصًا أنه يأتي بعد أكثر من ثلاثة عشر عامًا على تلك الأحداث. وتشير أوساط قضائية إلى أن جزءًا من الطبقة السياسية بات ينظر إلى الملف باعتباره بداية إعادة مراجعة لمسار قضائي ارتبط بمرحلة الانقسام الحاد بعد الحرب السورية، فيما يرى آخرون أن ما يجري يدخل في إطار تسويات تدريجية مرتبطة بتحولات أوسع داخل لبنان والمنطقة.

لبنان على خذ دمشق- القاهرة 

وفي الوقت نفسه، قالت مصادر دبلوماسية عربية لـ "كواليس"، إن القاهرة ودمشق دخلتا فعليًا مرحلة اختبار سياسي جديد للعلاقة بينهما. واعتبرت أن زيارة الشيباني إلى مصر ولقاء نظيره المصري بدر عبد العاطي لم تكن مجرد محطة بروتوكولية، بل جزء من محاولة أوسع لبناء تفاهمات تدريجية حول ملفات الأمن الإقليمي والطاقة ولبنان وإعادة الإعمار.

وأكدت المصادر أن الملف اللبناني كان حاضرًا بقوة في النقاشات المصرية – السورية، خصوصًا مع تصاعد المخاوف من أن يتحول الجنوب اللبناني إلى مدخل لإعادة إشعال المنطقة بأكملها، أو إلى منصة لفرض ترتيبات إقليمية جديدة تتجاوز لبنان نفسه. وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن المنطقة تدخل تدريجيًا مرحلة إعادة تركيب سياسي وأمني واسع، تتقاطع فيه ملفات لبنان وسوريا وإسرائيل والطاقة والتحالفات الإقليمية في لحظة واحدة شديدة الخطورة والتعقيد.