في ظلّ الأزمة الاقتصادية المستمرة وتداعيات الحرب التي زادت الضغط على السوق اللبنانية، أصدر مصرف لبنان القرار الأساسي رقم 13810 ضمن التعميم الأساسي رقم 173، في خطوة تهدف إلى ضبط حركة النقد وتعزيز استخدام وسائل الدفع الإلكتروني، في سياق مساعٍ للحد من الاقتصاد النقدي (الكاش).
وبحسب مضمون القرار، تم تحديد سقف عمولة التاجر (Merchant Discount Rate) في قطاعات حيوية تشمل محطات الوقود، المستشفيات، الصيدليات، السوبرماركت والميني ماركت، إضافة إلى الأفران الكبيرة، بحيث لا تتجاوز 1.25% من قيمة العملية عند الدفع عبر البطاقات المصرفية المصدرة محليًا. كما يشمل هذا السقف رسم التبادل (Interchange Fee) بحد أقصى 0.9% يُحوَّل إلى مُصدِر البطاقة، في محاولة لتنظيم العلاقة بين المصارف والتجار ضمن منظومة الدفع الإلكتروني.
لكن هذا القرار، وفق حديث خاص لـ"كواليس" مع أحد رجال الأعمال الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، يحيط به لغط وتفسيرات متناقضة. إذ يشير إلى وجود نظريتين أساسيتين الأولى تعتبر أن شحّ الكاش في السوق دفع السلطات إلى محاولة تخفيف استخدام الأوراق النقدية (Banknotes)، فيما ترى الثانية أن الهدف هو الحد من الاقتصاد النقدي لضبط الحركة المالية والحد من تبييض الأموال (Money Laundering). وفي المقابل، يطرح تساؤلًا حول التناقض في السياسة المالية ذلك أن تشجيع الدفع الإلكتروني، يجب ان يترافق مع الانتقال إلى اقتصاد غير نقدي مع بنية متكاملة تعتمد على بطاقات الائتمان (Credit Cards)، وهي بطاقات تمتنع المصارف اللبنانية عن اصدارها الا في حالات استثنائية، وتكتفي فقط باصدار البطاقات الدائنة (Debit Cards).
واوضح ان تعميم المصرف يطلب من التاجر ورجل الاعمال تحمل عمولة استخدام الدفع بالبطاقات البنكية، وهذا ما يزيد الاعباء على القطاع الخاص الذي يرزح اصلا تحت خسارات متزايدة منذ بدء الحرب.
من جهته، اعتبر خبير اقتصادي في حديث لـ"كواليس" أن هذا القرار يأتي ضمن سياسات ترقيعية تركز على معالجة النتائج بدلا من الأسباب، ما يحدّ من فعاليته. وأوضح أن الاقتصاد اللبناني يعتمد بنسبة تقارب 68% على الاستيراد، ما يفرض حاجة دائمة إلى السيولة النقدية، مشددًا على أن معالجة الأزمة تتطلب رؤية شاملة، لا قرارات جزئية، وأن مثل هذه الإجراءات لن يكون لها تأثير فعلي في تحسين أو حماية السيولة.
ولا يمكن فصل هذا التعميم عن الواقع النقدي الضاغط الذي يعيشه لبنان، حيث تشير التقديرات إلى نقص في السيولة داخل السوق يُقدَّر بين 3 و4 مليارات دولار والحديث عن انخفاض احتياط مصرف لبنان بنحو 500 مليون دولار منذ منتصف شباط حتى نهاية آذار بحسب ما ذكرت صحيفة النهار"، في انعكاس مباشر للأزمة المالية وتداعيات الحرب على مختلف القطاعات.
وفي موازاة ذلك، شدّد التعميم على منع التجار الذين يعتمدون أجهزة الدفع الإلكتروني (POS) من فرض أي رسوم إضافية على المستهلكين، ما يعني تثبيت السعر النهائي عند الدفع الإلكتروني. إلا أن هذه الخطوة، رغم أنها تهدف إلى تشجيع المستهلك على الابتعاد عن الكاش، تنقل العبء بشكل مباشر إلى التاجر.
وتشير الأوساط الاقتصادية إلى أن هذا التوجّه، وإن كان يهدف إلى تنظيم الدورة النقدية، إلا أنه يزيد الضغوط على التجار ورجال الأعمال، خصوصًا في ظل ارتفاع كلفة التشغيل وأسعار المحروقات. كما أن عمولات الدفع الإلكتروني باتت تُحمَّل بالكامل على التاجر، ما يقلّص هامش الربح ويضيف أعباء جديدة في بيئة اقتصادية هشّة.
وبين هدف رسمي يسعى إلى تعزيز الشفافية المالية والحد من الاقتصاد النقدي، وواقع اقتصادي مأزوم يعاني من شحّ السيولة وارتفاع الأكلاف، يبدو القرار الجديد انعكاسًا مباشرًا للأزمة أكثر مما هو حلّ جذري لها، في ظل غياب خطة اقتصادية متكاملة لمعالجة الاختلالات البنيوية في الاقتصاد اللبناني.