في الكواليس، لم يعد النقاش يدور حول التفاوض بحد ذاته، بل حول شكله، توقيته، والصورة التي ستُلتقط قبل أي اتفاق. واشنطن تدفع نحو لحظة سياسية مكثّفة تختصر المسار، فيما إسرائيل ترفع الإيقاع ميدانياً لتثبيت شروطها بالنار، والداخل اللبناني يتفكك بين من يريد التقاط الفرصة ومن يخشى أن تتحول إلى فخ سيادي. في هذه المساحة الضيقة، يتحرك رئيس الجمهورية جوزيف عون بين ضغط إنتاج “صورة” مطلوبة دولياً، وحاجة تأمين غطاء داخلي لم يتبلور بعد، فيما يقف الجنوب كرافعة ضغط يومية تعيد تعريف سقف التفاوض وحدوده.
عملياً، تكشف مصادر سياسية لبنانية لـ "كواليس"، أنّ ما يجري يتجاوز فكرة “إطلاق مفاوضات” إلى محاولة إعادة هندسة القرار اللبناني نفسه. فواشنطن، وفق هذه المصادر، لا تكتفي بدور الوسيط، بل تدفع نحو فرض تسلسل محدّد يبدأ من القمّة السياسية، لا من القنوات التقنية، بما يعني نقل لبنان مباشرة إلى مستوى التفاوض العلني مع إسرائيل، متجاوزةً المراحل التي اعتادها في تجاربه السابقة. الهدف ليس فقط تحقيق تقدّم تفاوضي، بل إعادة تعريف قواعد الاشتباك السياسية، عبر كسر الحاجز النفسي والسيادي المرتبط باللقاء المباشر.
هذا المسار يصطدم، حتى اللحظة، بجدار داخلي متماسك نسبياً. فوفق مصادر نيابية لـ "كواليس"، لا يزال رئيس مجلس النواب نبيه بري يمسك بخط تعطيل فعّال لأي اندفاعة نحو التفاوض المباشر، مستنداً إلى ثلاثية واضحة: وقف إطلاق النار أولاً، الانسحاب الإسرائيلي ثانياً، ومعالجة ملف الأسرى ثالثاً.
هذه الشروط لا تُطرح فقط كسقف تفاوضي، بل كآلية لمنع نقل لبنان إلى موقع الطرف الضعيف الذي يُستدرج إلى طاولة تفاوض تحت النار. وهو ما يجعل أي غطاء سياسي للرئاسة ناقصاً، ويُبقي هامش حركة رئيس الجمهورية محكوماً بتوازن دقيق بين الضغط الخارجي والفيتو الداخلي.
بعبدا: تجميع أوراق
في بعبدا، تُدار المرحلة بعقلية “تجميع الأوراق” لا حسم الخيارات. مصادر قريبة من الرئاسة اللبنانية، توضح لـ "كواليس"، أنّ عون يعمل على تثبيت معادلة داخلية قوامها: لا تفاوض بلا غطاء، ولا غطاء بلا حد أدنى من التفاهم السياسي. ومن هنا، تأتي اللقاءات مع الكتل النيابية، ليس بوصفها مشاورات بروتوكولية، بل كجزء من عملية قياس موازين القوى الداخلية، وتحديد حدود الممكن قبل الذهاب إلى أي التزام خارجي.
وتضيف هذه المصادر أنّ الرئاسة تدرك أنّ أي خطوة غير محسوبة نحو واشنطن، خصوصاً إذا ارتبطت بلقاء مباشر مع نتنياهو، قد تفجّر الداخل بدل أن تحصّنه، وهو ما يفسّر الحذر الشديد في التعاطي مع الطرح الأميركي.
في المقابل، تحاول قوى سياسية، وخصوصاً ضمن محور معارض لـ“حزب الله”، الدفع باتجاه استثمار اللحظة الدولية لفرض مسار تفاوضي جديد، معتبرةً أنّ ميزان القوى الحالي لا يسمح للبنان بانتظار شروط أفضل.
وتقول مصادر في هذا الاتجاه لـ "كواليس"، إنّ استمرار الحرب منخفضة الوتيرة في الجنوب، واستنزاف البنية التحتية والاقتصاد، يجعل من التفاوض—حتى بشروط صعبة—خياراً أقل كلفة من استمرار الوضع الحالي. لكن هذا الطرح يصطدم بسؤال جوهري: هل التفاوض تحت الضغط يتيح تحقيق مكاسب، أم يكرّس وقائع مفروضة؟
الميدان: إسرائيل والمنطقة الحمراء
ميدانياً، لا تبدو إسرائيل في وارد الانتظار. مصادر أمنية لبنانية تشير لـ "كواليس"، إلى أنّ نمط العمليات في الجنوب تغيّر بشكل واضح، من ضربات موضعية إلى سياسة “توسيع الضغط”، عبر استهداف عمق جغرافي أوسع، ورفع وتيرة إنذارات الإخلاء، واستخدام المسيّرات كأداة مراقبة وضرب مستمر. وتلفت هذه المصادر إلى أنّ إدخال مناطق جديدة ضمن نطاق التهديد، وصولاً إلى تخوم النبطية، يعكس توجهاً إسرائيلياً لإعادة رسم خطوط السيطرة النارية، بما يتجاوز الخطوط التقليدية للاشتباك، ويخلق واقعاً ميدانياً جديداً يُستخدم كورقة ضغط في أي مفاوضات مقبلة.
كما تكشف المعطيات أنّ الجيش الإسرائيلي يسعى إلى تثبيت معادلة مزدوجة: إبقاء “المنطقة الحمراء” تحت سيطرته النارية، ومنع عودة أي تموضع فعلي لـ“حزب الله” في المناطق المتقدمة، مع الاستعداد—عند الحاجة—لتوسيع الضربات نحو العمق، بما في ذلك الضاحية الجنوبية وبيروت.
هذا السيناريو، وإن لم يُنفّذ بعد، يُستخدم كأداة ردع وضغط نفسي على القرار اللبناني، في موازاة الحديث عن طلب إسرائيلي لضوء أخضر أميركي لاستهدافات أوسع.
واشنطن: ضبط الايقاع
في هذا الإطار، تلعب واشنطن دور “ضابط الإيقاع” لا “مانع التصعيد”. مصادر دبلوماسية، تؤكد لـ "كواليس"، أنّ الإدارة الأميركية تحاول إبقاء المواجهة ضمن سقف قابل للتحكم، بما يمنع الانزلاق إلى حرب شاملة، لكنها في الوقت نفسه لا تضغط لوقف التصعيد بالكامل، بل تستخدمه كرافعة لدفع لبنان نحو القرار السياسي. هذه المقاربة تقوم على مبدأ بسيط: كلما ارتفعت كلفة الميدان، زادت قابلية الأطراف للقبول بتسويات سياسية، حتى لو كانت مؤلمة.
على الضفة الأخرى، يتعامل “حزب الله” مع هذه المرحلة بوصفها محاولة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك بالقوة السياسية، لا العسكرية فقط. مصادر قريبة من الحزب، توضح لـ "كواليس" أنّ رفض التفاوض المباشر لا يرتبط بالمبدأ فحسب، بل بتقدير استراتيجي يعتبر أنّ أي تنازل في الشكل سيؤدي لاحقاً إلى تنازلات في المضمون.
وتؤكد هذه المصادر أنّ الحزب أعاد تكييف حضوره الميداني بما يتلاءم مع المرحلة، عبر تقليل التمركز الثابت، والاعتماد على تكتيكات مرنة تسمح له بالاستمرار في الضغط دون تقديم أهداف سهلة، في رسالة واضحة بأن الميدان لا يزال مفتوحاً ولم يُحسم بعد.
داخلياً، تحاول الحكومة تثبيت مسار موازٍ يقوم على إعادة إنتاج سلطة الدولة تدريجياً. ووفق مصادر حكومية، فإن قرار حصر السلاح، وتعزيز الإجراءات الأمنية في بيروت ومحيطها، ليس منفصلاً عن السياق التفاوضي، بل يُطرح كجزء من إعادة بناء صورة الدولة القادرة على الإمساك بأرضها، وهو شرط غير معلن لأي دعم دولي لاحق، سواء في ملف الإعمار أو تثبيت الاستقرار. لكن هذه المقاربة تصطدم بواقع معقد، حيث لا يمكن فصل الأمن الداخلي عن توازنات القوى السياسية والعسكرية القائمة.
المشهد لا يُختصر بسؤال: هل يذهب لبنان إلى التفاوض؟ بل بسؤال أعمق: من يحدد شروط هذا التفاوض، وتحت أي ميزان قوى؟ في لحظة تتقاطع فيها الضغوط الدولية مع الوقائع الميدانية، يصبح القرار اللبناني محكوماً بمعادلة قاسية: إما الانخراط في مسار تفاوضي تحت الضغط، أو مواجهة استنزاف مفتوح قد يفرض في النهاية شروطاً أكثر صعوبة.