دخلت محلّقات FPV فجأة إلى أدبيات هذه الحرب بوصفها سلاحًا حاضرًا وحاسمًا بقوة في خطاب «حزب الله»؛ فهل يعكس ذلك تحولًا عسكريًا فعليًا أم مجرد تضخيم اعلامي؟
يُظهر تحليل البيانات العسكرية الصادرة عن «حزب الله» عبر الإعلام الحربي خلال الفترة الممتدة من 20 نيسان، تاريخ أول عملية للـ«حزب» بعد الهدنة، حتى 2 أيار، اي قبل يومين، نمطًا عملياتيًا متصاعدًا في استخدام المسيّرات والمحلّقات. ففي تعدادٍ يبلغ ما مجموعه 60 عملية أعلن عنها الـ«حزب»، يظهر حضور المسيّرات والمحلّقات (FPV) في 42 عملية، أي ما يقارب 70% من إجمالي العمليات، وهو مؤشر على تحوّل تكتيكي نحو هذا النوع من الوسائط الهجومية. وقد تنوّعت صيغ الاستخدام بين إطلاق مفرد ومثنّى، وصولًا إلى استخدام عبارة «أسراب» من المسيّرات.
وإذا اعتبرنا أن حزب الله يقصد بعبارة «أسراب» من المسيّرات/المحلّقات ما يعادل تقريبًا ثلاث مسيّرات، يُرجَّح أن العدد الإجمالي للمحلّقات والمسيّرات المستخدمة يتراوح بين 75 و90 خلال الفترة المذكورة، مع ترجيح متوسط يقارب 80. ويُلاحظ أن الذروة العملياتية سُجّلت في الأيام الأخيرة، خصوصًا في نهاية شهر نيسان.
إلا أن هذا التحليل يشير إلى أن العدد الإجمالي للمحلّقات يبقى محدودًا نسبيًا، لا سيما أننا نتحدث عن فترة تقارب عشرة أيام. وعند توزيع هذا العدد زمنيًا، ينخفض المتوسط إلى نحو ثلاث محلّقات (FPV) يوميًا كحدّ أقصى، وربما أقل، خصوصًا أن إطلاق المحلّقات لا يتم ضمن أسراب بسبب الصعوبة العملانية لذلك.
وهذا ما يطرح تساؤلات حول حجم «الخطر» الذي تمثّله المحلّقات — وهي التسمية الممكنة لطائرات FPV في أدبيات الحزب -على المستوى الميداني، إذ يبدو أن حضورها في الخطاب الإعلامي يتجاوز حجمها الكمي الفعلي باشواط، سواء في سياق الدعاية الرسمية أو في إطار التلويح بتهديد يستهدف الوجود العسكري الإسرائيلي في الجنوب.
إلا انه يلاحظ في المقابل، في الخطاب الإسرائيلي، سواء في الإعلام أو في تلميحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وقائد الاركان، تركيز متصاعد على تصوير محلقات FPV كتهديد استثنائي. ورغم أن هذه الوسائط أثبتت فعاليتها ميدانيًا، كما في الحرب الروسية الأوكرانية، إلا أن تضخيمها إعلاميًا على المستوى الاسرائيلي يبدو متقاطعًا مع أهداف سياسية وعسكرية أوسع كمثل توسيع الحرب، او تشريعها في مواجهة الضغط الاميركي.
هذا التوصيف المكثّف للخطر يتقاطع مع تسريبات عن نوايا استهداف بنى الإنتاج والتوريد «حتى في العمق»، أو إعادة تحديد نطاق تموضع حزب الله، أي إعادة رسم «الخط الأصفر»، تمهيدًا لتوسيعه جغرافيًا وعملياتيًا. ويأتي ذلك قياسًا على ربط هذا الخط سابقًا بمدى الصواريخ المضادة للدروع (نحو 8 كيلومترات). فهل يصبح «الخط الأصفر» الجديد عند حدود 40 كلم، وهو المدى الأقصى الذي يمكن أن تبلغه بعض المحلّقات العاملة بتقنية الألياف البصرية؟
بذلك، يتحوّل الاستخدام المكثّف للمصطلح في بيانات الحزب وخطاب مؤثّريه إلى عنصر يساهم في خلق مبررات لتصعيد إسرائيلي محتمل، سواء عبر استهداف بنى إنتاج هذه الوسائط في العمق اللبناني أو توسيع نطاق العمليات إلى عمق جغرافي أوسع، بما يحمله ذلك من مخاطر تمتد إلى قرى جديدة.