أثار البيان الذي نُشر للأمين العام لـ“حزب الله” الشيخ نعيم قاسم عند الساعة 11:30 عبر قناة “المنار” وإذاعة “النور” جدلًا لافتًا، ليس فقط بسبب مضمونه السياسي، بل أيضًا بسبب الطريقة التي تم التمهيد له بها، إذ جرى الإعلان مسبقًا عن كلمة “يلقيها”، ما أوحى بإطلالة متلفزة أو مباشرة، قبل أن يتبيّن أنها كلمة مسجلة وموزعة على شكل بيان صوتي/مكتوب وليس بصوته هو حتى.
في أبرز ما جاء في كلمته، أشار قاسم إلى أن الجيش اللبناني انتشر في جنوب نهر الليطاني تطبيقًا للاتفاقات القائمة، قبل أن يطرح سؤالًا اعتبره محوريًا: “من أين أتى المقاومون والسلاح؟”. غير أن هذا الطرح يُقرأ على أنه محاولة لإعادة تكرار سردية تقليدية تتجاوز الإطار الرسمي للدولة، وتتفادى الإجابة المباشرة عن جوهر الإشكالية المرتبطة بوجود سلاح خارج مؤسسات الدولة الشرعية.
وتابع قاسم بالقول إن “المقاومة اختارت أساليب تنسجم مع المرحلة”، وأنها “استفادت من الدروس والعِبر”، مع الإشارة إلى ما وصفه بـ“إتقان الأداء والمفاجآت في الميدان”. إلا أن هذا الخطاب يُفهم أيضًا كرسالة تأكيد على استمرار بنية عسكرية موازية، تعمل خارج أي سلطة قرار رسمية، وتعيد إنتاج نفسها رغم كل الضغوط السياسية والميدانية التي يفترض أنها فرضت إعادة تقييم لدورها.
من النقاط اللافتة أيضًا قوله إنه “لا وجود لخط أصفر ولا منطقة عازلة، ولن يكون”. هذا الموقف يطرح إشكالية مباشرة عند مقارنته بالوقائع الميدانية، إذ تشير الوقائع الميدانية متعددة إلى أن أكثر من 55 قرية في الجنوب اللبناني يُمنع دخول الأهالي إليها، في ظل واقع أمني معقّد وانتشار عسكري إسرائيلي في مناطق حدودية. هذا التباين بين الخطاب السياسي والواقع على الأرض يعكس فجوة مستمرة في توصيف الوضع الجنوبي، حيث يقدّم كل الحزب روايته الخاصة لطبيعة السيطرة والانتشار.
وفي الملف السياسي، أعلن قاسم أنه يؤيد “الدبلوماسية التي تؤدي إلى وقف الحرب”، مع تفضيله “التفاوض غير المباشر”، معتبرًا أن التفاوض المباشر “تنازل مجاني بلا ثمار”. هذا الموقف يعكس استمرار الحزب رفض المسارات التفاوضية السيادية، هذا الخطاب يعكس تمسكًا بخيارات تُبقي قرار الحرب والسلم خارج الإطار الرسمي للدولة اللبنانية بعدما قال يجب "الاستفادة من الاتفاق الإيراني الأميركي"، ما يطرح تساؤلات حول مدى انسجام ذلك مع مفهوم السيادة ومؤسساتها.
يظهر بيان قاسم كامتداد لنهج سياسي قائم على تثبيت دور الحزب كفاعل عسكري وسياسي مستقل، حتى لو تعارض ذلك مع مسار الدولة اللبنانية أو أولوياتها. وبين إنكار وجود مناطق عازلة، والتشكيك بمصدر السلاح، ورفض التفاوض المباشر، يبدو أن الخطاب لا يفتح بابًا للحلول بقدر ما يعيد إنتاج الانقسام القائم، في وقت يحتاج فيه لبنان إلى مقاربات أكثر وضوحًا وانسجامًا مع مؤسساته الرسمية ومسار الدولة.