تعيش أسواق الفضة العالمية مرحلة من التحولات العميقة، مدفوعة بتصاعد التوترات الجيوسياسية وتغيّر أولويات القوى الاقتصادية الكبرى، وفي مقدّمها الصين التي باتت تتعامل مع المعدن كأصل استراتيجي يتجاوز كونه مادة أولية صناعية أو ملاذاً استثمارياً. فمع تنامي المخاوف من اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع الطلب الصناعي العالمي، تتجه ابصين إلى تقليص صادراتها وتعزيز احتياطاتها من الفضة تحسباً لأي نقص مستقبلي أو ارتفاع حاد في الأسعار، ما يضيف مزيداً من الضغوط على سوق يعاني أساساً من اختلالات متزايدة بين العرض والطلب.
ويعكس هذا التوجّه الصيني تحوّلاً أوسع في المشهد الاقتصادي العالمي، حيث أصبحت الفضة أكثر ارتباطاً بالصناعات التكنولوجية والطاقة النظيفة والإلكترونيات المتقدمة، وهي قطاعات تعتمد عليها الاقتصادات الصناعية الكبرى بشكل متزايد. ومع احتفاظ دول رئيسية بمخزوناتها الاستراتيجية، تتعمّق أزمة المعروض العالمي، خصوصاً أن إنتاج الفضة يعتمد بدرجة كبيرة على استخراجها كمعدن ثانوي مرتبط بمعادن أخرى، ما يحدّ من قدرة المنتجين على زيادة الإنتاج بسرعة لمواكبة الطلب المتصاعد.
وفي موازاة ذلك، تتزايد الضغوط على جانب الإمدادات نتيجة تأثر بعض المناجم بالتوترات الجيوسياسية والقيود اللوجستية، الأمر الذي يرفع من هشاشة السوق العالمية. كما أن اتجاه عدد من الدول إلى تعزيز احتياطاتها من المعادن الثمينة كإجراء احترازي يفاقم أزمة التوازن في السوق، ويدفع المستثمرين إلى مراقبة حركة الاحتياطيات العالمية باعتبارها عاملاً أساسياً في تحديد اتجاه الأسعار خلال المرحلة المقبلة.
وتُظهر بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية أن احتياطيات الفضة العالمية تُقدّر بنحو 641.4 ألف طن متري خلال عام 2025، تتصدرها البيرو بحوالي 140 ألف طن متري، تليها أستراليا ثم روسيا والصين التي تمتلك نحو 70 ألف طن متري من الاحتياطي العالمي. وتعكس هذه الأرقام تمركزاً واضحاً للاحتياطيات في عدد محدود من الدول، ما يزيد حساسية السوق تجاه أي تغيّرات سياسية أو اقتصادية في تلك المناطق.
وفي ظل هذه المعطيات، تتزايد التوقعات باستمرار الاتجاه التصاعدي لأسعار الفضة، خاصة مع اتساع العجز الهيكلي في السوق. إذ يتوقع معهد الفضة العالمي The Silver Institute ارتفاع عجز سوق الفضة إلى 46.3 مليون أونصة في عام 2026 مقارنة بـ40.3 مليون أونصة في 2025، ما يعزز الاعتماد على المخزونات الاستراتيجية ويدفع الأسعار نحو مزيد من الارتفاع.
ورغم استمرار الضغوط الجيوسياسية وعدم استقرار الأسواق العالمية، تبدو التوقعات داعمة لمواصلة صعود الفضة، في ظل قوة الطلب الصناعي واستمرار نقص الإمدادات، مع ترجيحات بوصول الأسعار إلى ما بين 95 و105 دولارات للأونصة خلال المرحلة المقبلة.