في ظل التصعيد الإقليمي الذي يبلغ حد الفوضى والتطورات غير المتوقعة، اشارات مصادر خاصة من دمشق لـ "كواليس"، أن دمشق لا تريد ان تدخل الحرب او تنجر اليها، لكنها تعيد ترتيب موقعها في قلب التحولات.
واوضحت أن القيادة السورية الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، تتعامل مع التصعيد من زاوية مختلفة: تجنّب الانخراط العسكري المباشر، مقابل توسيع الحضور السياسي والاقتصادي.
الرسالة السورية واضحة: لا رغبة في فتح جبهة مع إسرائيل، ولا استعداد للدخول في حرب الآخرين، بل تركيز على تثبيت الاستقرار الداخلي، وإعادة بناء العلاقات الإقليمية. هذا التوجه يعكس مقاربة براغماتية تقوم على إدارة الملفات بدل حسمها، وعلى بناء شبكة توازنات مرنة بدل الاصطفاف الحاد.
في الوقت نفسه، تستثمر دمشق في التحولات الدولية وتحاول إعادة تقديم الدولة السورية بصورة مختلفة، أكثر قابلية للانخراط مع الغرب والمؤسسات الدولية.
لبنانيا، اختارت سوريا، التي كانت تاريخياً جزءاً لا يتجزأ من معادلة الجنوب اللبناني، موقعاً مختلفاً جذرياً.
وتجلى ذلك خلال مشاركة الشرع في القمة الأوروبية الاخيرة في نيقوسيا، حيث قدّم خطاباً يتجاوز الإدانة التقليدية للاعتداءات الإسرائيلية، ليؤسس لتموضع سياسي جديد.
الشرع ربط بشكل مباشر بين أمن سوريا وأمن أوروبا، ودعا الاتحاد الأوروبي إلى تحمّل مسؤولياته في وقف التصعيد، مؤكداً أن استمرار الاعتداءات يهدد الاستقرار الإقليمي ومسارات إعادة الإعمار.
لكن جوهر الخطاب لم يكن في دعوته للأوروبيين، بل في الرسالة التي وجّهها ضمنياً إلى الإقليم: سوريا لن تنخرط في الحرب الدائرة على الجبهة اللبنانية، ولن تسمح باستخدام أراضيها كمنصة دعم أو إسناد لأي تصعيد.
هذا الموقف، الذي يأتي في ظل ضغوط غير مباشرة لدفع دمشق إلى لعب دور ميداني، يعكس قراراً استراتيجياً بإغلاق الجبهة السورية أمام أي تمدد للصراع.
هذا القرار لا يُفهم فقط من زاوية السياسة الخارجية، بل يرتبط مباشرة بإعادة ترتيب الداخل السوري أمنياً.
رمزية اعتقال أمجد يوسف
لكن الوجه الآخر للمشهد السوري يبقى أمنيًا. ملف مجزرة التضامن، الذي عاد إلى الواجهة مع معطيات جديدة حول مقابر جماعية، يعيد التذكير بأن مسار العدالة لم يُحسم بعد، وأن إعادة التموضع السياسي لا تلغي إرث السنوات السابقة، بل تعيد طرحه بصيغ مختلفة.
هنا تبرز عملية اعتقال أمجد يوسف كحدث مفصلي يتجاوز رمزيته المرتبطة بمجزرة التضامن.
وفق المعطيات، جاءت العملية بعد متابعة استخباراتية دقيقة استمرت لأيام، شملت مراقبة تحركاته واتصالاته ضمن دائرة مغلقة، قبل تنفيذ مداهمة مركّزة في ريف حماة خلال اجتماع ضمّ عدداً من المتورطين، بينهم ضباط سابقون، انتهت باعتقالهم جميعاً.
الأهمية هنا ليست فقط في توقيف شخصية متهمة بارتكاب واحدة من أبشع المجازر، بل في الرسائل التي تحملها العملية:
- أولاً، أن الأجهزة السورية أعادت بناء قدراتها على مستوى الرصد والتتبع والتنفيذ، بما يسمح لها بضبط شبكات معقّدة تعمل بسرية عالية.
- ثانياً، أن هناك قراراً واضحاً بتفكيك البنى الأمنية غير المنضبطة التي تشكّلت خلال سنوات الحرب، سواء تلك المرتبطة ببقايا النظام السابق أو تلك التي يمكن أن تتحوّل إلى أدوات اختراق خارجي.
- ثالثا والأهم، أن هذه العملية تأتي في سياق أوسع، إغلاق الثغرات التي يمكن أن تُستخدم لجرّ سوريا إلى الفوضى أو إلى المواجهة الإقليمية. فدمشق تدرك أن أي انفلات أمني داخلي، أو وجود شبكات غير خاضعة للسيطرة، يمكن أن يشكّل مدخلاً لاستخدام أراضيها كساحة بديلة أو مكملة للجبهة اللبنانية.
من هنا، يصبح الترابط بين خطاب أحمد الشرع في قبرص، وعملية اعتقال أمجد يوسف، واضحاً، مسار سياسي يقوم على الانفتاح والشراكة الدولية، يقابله مسار أمني يقوم على الضبط والتفكيك ومنع الاختراق. كلاهما يهدف إلى تثبيت موقع سوريا كدولة تسعى إلى الاستقرار، لا كطرف في معادلة الحرب.
هذا التموضع السوري ينعكس مباشرة على لبنان. فإغلاق الجبهة السورية يعني عملياً تقليص خيارات التصعيد الإقليمي، لكنه في الوقت نفسه يضع لبنان أمام مسؤوليات أكبر، إذ لم يعد بإمكان حزب الله وايران الرهان على توسّع المواجهة لتغيير قواعد الاشتباك.
كما أن غياب الدور السوري الميداني يحدّ من قدرة بعض الأطراف على استخدام العمق الجغرافي كجزء من المعادلة العسكرية.