يدخل لبنان أسبوعه على إيقاع معادلة شديدة الهشاشة، حيث لم يعد الاستقرار نتيجة توازن فعلي بقدر ما أصبح نتيجة غياب الانفجار. البلد يقف فعلياً في منطقة وسطى بين الحرب والتسوية، لا يملك القدرة على الذهاب إلى أي منهما بشكل كامل، فيما تتكفّل التطورات الإقليمية بدفعه تدريجياً نحو خيارات لم تُحسم بعد داخلياً. وفي قلب هذا المشهد، يتداخل العسكري بالسياسي، ويصبح النقاش حول التفاوض امتداداً مباشراً للمعركة الميدانية، لا بديلاً عنها.
في الداخل، بدا واضحاً هذا الأسبوع أن السلطة اللبنانية انتقلت من محاولة إدارة الأزمة إلى محاولة منع انفجارها. التقاطع الذي ظهر بين رئيس الجمهورية جوزيف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، تجاه الفتنة الداخلية، لم يكن نتيجة توافق سياسي ناضج، بل انعكاساً لقلق مشترك من انزلاق الخطاب السياسي إلى مستويات تمسّ التوازن الاجتماعي. التصعيد الذي طال المرجعيات الدينية شكّل نقطة تحوّل، إذ أدركت القوى السياسية أن أي انتقال للصراع من مستوى السياسة إلى مستوى الهوية والطائفة سيعني فقدان القدرة على الضبط، وفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها. لذلك، جاء هذا “التفاهم الضمني” على أولوية السلم الأهلي كخط دفاع أخير، لا كخيار سياسي.
لكن خلف هذا التماسك الظاهري، تتسع فجوة الخلاف حول الخيارات الكبرى، وفي مقدّمها مسار التفاوض مع إسرائيل. هذا الملف لم يعد مؤجلاً أو محصوراً في الكواليس، بل خرج إلى العلن كأحد أبرز خطوط الانقسام داخل النظام السياسي. وفي هذا السياق، اكتسب اجتماع النواب السنّة أهمية خاصة، ليس فقط بسبب مضمونه، بل لأنه كشف ما هو أعمق من ذلك.
فالاجتماع حاول تقديم صورة عن موقف سنّي متماسك يدعم الدولة وخيار التفاوض كمدخل لإنهاء الحرب، مدعوماً بإشارات عربية واضحة، على الرغم من غياب عدد من النواب السنّة ما يشير الى ان الساحة السنّية نفسها تشهد إعادة تشكّل غير محسومة.
فثمة من يرى أن التفاوض بات خياراً واقعياً مفروضاً بحكم ميزان القوى والضغوط الدولية، فيما يتعامل آخرون معه بحذر شديد، انطلاقاً من غياب الضمانات وخشية أن يتحول إلى مدخل لفرض ترتيبات لا تراعي التوازنات الداخلية.
في الميدان، لا تبدو الصورة أقل تعقيداً. إسرائيل، وفق تقديراتها الداخلية، تجد نفسها عالقة في حالة جمود عملياتي جنوب لبنان، غير قادرة على تحقيق حسم سريع، وغير راغبة في الانزلاق إلى حرب شاملة. هذا المأزق يدفعها إلى محاولة كسر الجمود عبر تكثيف الضربات والانتقال إلى نمط عملياتي أكثر اعتماداً على المفاجأة والضغط المركّز، لكن ضمن سقف قيود تفرضها الحسابات الأميركية، خصوصاً فيما يتعلق بتوسيع بنك الأهداف ليشمل العمق اللبناني.
في المقابل، يسعى حزب الله لإظهار قدرة متزايدة على التكيّف مع هذا النمط من المواجهة، حيث يبتعد عن الصيغة التقليدية للحروب، ويتجه نحو ترسيخ نموذج استنزاف طويل النفس، يعتمد على المسيّرات، وهذا التكيّف لا يعكس خبرة ميدانية، بل يشير إلى انتقال الحزب إلى مرحلة إدارة معركة ممتدة، وهو ما يفسّر جزئياً العنف المفرط داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، التي بدأت تقرّ بأن الجبهة الشمالية باتت أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً.
المفارقة الأساسية في المشهد اللبناني تكمن في هذا التزامن بين تصعيد عسكري مفتوح، وبدء فتح نقاش سياسي حول التفاوض. هذه المرحلة الانتقالية، بطبيعتها، هي الأكثر خطورة، لأنها تجمع بين ضغط الميدان وضعف الموقف الداخلي، ما يضع لبنان في موقع المتلقي أكثر منه في موقع الفاعل. وفي ظل غياب رؤية موحّدة، يصبح أي مسار تفاوضي محكوماً بتوازنات خارجية، لا بإرادة داخلية صلبة.
حياد سوريا
على الضفة السورية، تبدو الصورة مختلفة في الشكل، وإن كانت جزءاً من السياق نفسه. دمشق تتحرك ببراغماتية لافتة لإعادة تعريف موقعها في الإقليم، مستفيدة من لحظة انشغال القوى الكبرى في صراعات مفتوحة. اختيارها سياسة الحياد في المواجهة الأميركية – الإيرانية لم يكن حياداً سلبياً، بل خطوة محسوبة فتحت لها هامش حركة أوسع، سمح بإعادة تفعيل قنواتها العربية والدولية.
لكن التحول الأهم يتمثل في محاولة سوريا تقديم نفسها كعقدة لوجستية في معادلة الطاقة، عبر طرح مسار بديل لنقل النفط من العراق إلى أوروبا عبر أراضيها. هذا الطرح، رغم كلفته المرتفعة، يمنح دمشق ورقة استراتيجية جديدة، ويعيد إدخالها تدريجياً في معادلات كانت قد خرجت منها.
في هذا الإطار، تكتسب زيارة وزير الخارجية أسعد الشيباني المرتقبة إلى القاهرة أهمية خاصة، باعتبارها جزءاً من مسار إعادة التموضع العربي، ومحاولة لترتيب العلاقة مع مصر كمدخل أوسع للعودة إلى الفضاء الإقليمي.
العراق: اعادة تشكيل التوازنات
في موازاة ذلك، تتحرك دول الخليج بهدوء لافت على خط العراق، مستفيدة من مرحلة انتقال السلطة في بغداد. الاتصال الذي أجراه أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني برئيس الوزراء العراقي المكلف علي الزيدي هو كتحرك استباقي يهدف إلى بناء علاقة مبكرة مع القيادة المقبلة، والدعوة لزيارة الدوحة بعد تشكيل الحكومة تعكس رغبة واضحة في تثبيت حضور منسق خليجي، داخل العراق في مرحلة إعادة تشكيل التوازنات، فيما يظهر الزيدي انفتاحاً على هذا المسار، مدركاً أن حكومته المقبلة ستكون بحاجة إلى شبكة دعم إقليمي متوازنة.
في المحصلة، يتشكل مشهد إقليمي جديد على وقع الحرب لا بعدها.
لبنان يحاول منع انهياره الداخلي بينما يتعرض لضغوط تدفعه نحو خيارات غير محسومة، سوريا تعيد تقديم نفسها كلاعب وظيفي في معادلة الطاقة، وقطر تتحرك مبكراً لتأمين موقع لها في عراق لم تستقر ملامح سلطته بعد. أما القاسم المشترك بين هذه المسارات، فهو أن المنطقة دخلت فعلياً مرحلة إعادة ترتيب عميقة، حيث لا تُصاغ التوازنات في غرف التفاوض فقط، بل تُفرض تدريجياً على الأرض… ثم يُعاد تدويرها سياسياً.