لم يعد ما يجري في لبنان قابلاً للاختزال بعنوان “تصعيد” أو “مفاوضات مرتقبة”، بل دخل البلد فعلياً مرحلة إعادة تشكيل قسري لواقعه السياسي والجغرافي، في ظل تقاطع خطير بين انقسام داخلي حاد، ومشروع إسرائيلي متدرّج لفرض وقائع ميدانية طويلة الأمد، تمتد من جنوب لبنان إلى الجولان السوري المحتل.
فهرس المحتوى [إظهار]
التفاوض.. بين عون وبري
في بيروت، لم يكن كلام رئيس الجمهورية جوزيف عون حول انتظار تحديد موعد للمفاوضات تفصيلاً عابراً، بل إعلاناً صريحاً عن انتقال الرئاسة إلى خيار استراتيجي يقوم على إخراج ملف الجنوب من الميدان إلى طاولة التفاوض. غير أنّ هذا الخيار، الذي يفترض أن يكون مدخلاً لاستعادة الدولة دورها، اصطدم سريعاً بردّ رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي شكّك بمضامين الطرح الرئاسي، كاشفاً أنّ الحديث عن “تنسيق” لا يعكس وحدة قرار بقدر ما يعكس تبايناً عميقاً في فهم المسار نفسه.
هذا الاشتباك السياسي العلني بين الرئاستين الأولى والثانية لا يمكن فصله عن المشهد الأشمل: دولة تحاول التفاوض من دون إجماع، وقوى داخلية ترى في التفاوض تهديداً لتوازناتها، فيما يبقى سلاح "حزب الله" العقدة المركزية التي تمنع أي حسم واضح. النتيجة المباشرة هي شلل في القرار، وتحول لبنان إلى طرف ضعيف في أي معادلة تفاوضية، في وقت تتعامل فيه إسرائيل مع هذا الانقسام كفرصة استراتيجية لتعزيز موقعها.
الميدان: بين التدمير الإسرائيلي والضبط الأميركي
في الميدان، تتبدد كل أوهام “الهدنة”. ما يجري في الجنوب هو انتقال مدروس من إدارة الاشتباك إلى فرض واقع جغرافي جديد. فعمليات التفجير الواسعة، تدمير المنازل، ومسح قرى بأكملها، لم تعد مجرد ردود فعل عسكرية، بل أدوات ضمن استراتيجية تهدف إلى خلق منطقة عازلة عميقة، تتحول تدريجياً إلى "شريط أمني" غير قابل للحياة. بهذا المعنى، لا تسعى إسرائيل فقط إلى إبعاد التهديد، بل إلى إعادة تعريف الجنوب كحيز أمني منزوع السكان والوظيفة.
تهديدات وزير الأمن الإسرائيلي بمعاملة الجنوب كغزة ليست مجرد خطاب، بل تعبير عن عقيدة ميدانية تقوم على “التدمير الوقائي”، حيث يتم استهداف البنية التحتية والمجتمعية بهدف منع أي إمكانية لعودة الوضع إلى ما كان عليه.
وهنا تكمن الخطورة: أي انسحاب مستقبلي، إن حصل، سيكون من أرض مدمّرة، ما يعني عملياً تثبيت نتائج الحرب حتى بعد توقفها.
لكن الأهم من ذلك، أن إسرائيل تدير هذه العمليات ضمن سقف سياسي محسوب. التصريحات الإسرائيلية التي تقرّ بوجود قيود أميركية على حرية العمل تكشف أن الجبهة اللبنانية ليست مستقلة، بل هي جزء من معادلة أوسع مرتبطة بالملف الإيراني. ولعل آخر التعبيرات عنها، ما نقل عن الرئيس الاميركي دونالد ترامب بأنه أبلغ رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، بأن يحد التصعيد في لبنان ليقتصر فقط على "الاستهدافات الدقيقة". هذا الربط يضع لبنان في قلب تفاوض إقليمي تُستخدم فيه الجبهات كأدوات ضغط متبادلة، حيث تُدار الضربات الميدانية بالتوازي مع المسارات السياسية.
وفي هذا السياق، تبدو إسرائيل وكأنها تتقن لعبة مزدوجة: تلتزم شكلياً بالسقف الأميركي، لكنها عملياً تستثمر هذا السقف لتوسيع عملياتها، عبر تكثيف الضربات وفرض وقائع تدريجية من دون الوصول إلى مواجهة شاملة مع واشنطن. إنها إدارة دقيقة للحد الأقصى من القوة ضمن الحد الأدنى من القيود.
النتيجة على الأرض واضحة: الجنوب اللبناني يتحول إلى مساحة استنزاف مفتوحة. النزوح يتسع، البنية الاجتماعية تتفكك، والاقتصاد المحلي ينهار. لم يعد الهدف فقط إضعاف حزب الله، بل إعادة تشكيل البيئة الحاضنة نفسها، بحيث يصبح استمرارها غير ممكن بالصيغة السابقة.
الجولان والجنوب السوري: استقدام مستوطنين وتفريغ الارض
وفي موازاة هذا المسار، تتكشف صورة أكثر وضوحاً في الجبهة السورية، حيث تعمل إسرائيل على مشروع طويل الأمد لإعادة هندسة الجولان المحتل. الخطة التي أقرتها الحكومة الإسرائيلية حتى عام 2030، بميزانية تتجاوز 330 مليون دولار، لا تقتصر على توسيع مستوطنات، بل تهدف إلى خلق مركز حضري متكامل واستقدام آلاف المستوطنين، ما يعني تثبيت واقع ديموغرافي جديد يصعب التراجع عنه .
هذا المشروع يترافق مع تحركات ميدانية لافتة: إزالة ألغام على نطاق واسع، إنشاء بنى تحتية متقدمة، إدخال تقنيات الذكاء الاصطناعي في إدارة الحدود، وبناء حزام أمني دائم. عملياً، نحن أمام عملية إعادة تشكيل كاملة للشريط الحدودي، لا تقتصر على الأمن، بل تمتد إلى الاقتصاد والعمران والديموغرافيا.
في الوقت نفسه، تتزايد المؤشرات على نمط ممنهج من الانتهاكات في الجولان والجنوب السوري: تهجير قسري، تدمير منازل، مصادرة أراضٍ، وفرض قيود على السكان. هذه الإجراءات لا يمكن قراءتها كحوادث منفصلة، بل كجزء من استراتيجية تهدف إلى تفريغ الأرض وإعادة ملئها بسكان جدد، في سياق تغيير ديموغرافي تدريجي.
ما يجمع بين الجبهتين اللبنانية والسورية هو أن إسرائيل لم تعد تنتظر التسويات، بل تعمل على صناعتها ميدانياً. في لبنان، تستثمر في الانقسام الداخلي لتعزيز حضورها العسكري. وفي سوريا، تبني مشروعاً استيطانياً وأمنياً طويل الأمد يعيد تعريف المنطقة.
أي شروط للتفاوض؟
في الداخل اللبناني، يتعمق المأزق مع غياب رؤية موحدة. الرئاسة تدفع نحو التفاوض كخيار دولة، فيما تتعامل قوى أخرى معه كخطر أو تنازل، في ظل استمرار غياب مقاربة واضحة لملف السلاح ودوره في المعادلة. هذا التناقض لا ينتج توازناً، بل يعمّق الشلل ويؤجل الانفجار.
وفي ظل هذا المشهد، يصبح السؤال المركزي ليس فقط “متى تبدأ المفاوضات”، بل “بأي شروط، وبأي تمثيل، وبأي قرار”. لأن أي مفاوضات تُدار في ظل انقسام داخلي حاد، ستتحول إلى عملية إدارة خسائر، لا إلى مسار استعادة سيادة.
لبنان اليوم يقف أمام لحظة حاسمة: إما أن يعيد إنتاج نفسه كدولة قادرة على توحيد قرارها، أو يستمر في التحول إلى ساحة مفتوحة تُدار من الخارج. وفي الحالتين، الجنوب يدفع الثمن، فيما يتقدم المشروع الإسرائيلي خطوة إضافية كل يوم، ليس عبر اتفاقات مكتوبة، بل عبر وقائع تُفرض على الأرض وتترسخ مع الوقت.
ما يجري ليس مجرد صراع حدودي، بل إعادة رسم لمنطقة كاملة. ولبنان، في قلب هذا التحول، يواجه خطر أن يكون جزءاً من الخريطة الجديدة… من دون أن يكون شريكاً في رسمها.